ان تكون فقيراً، او مفلساً خير لك من ان تكون ثرياً. هذا على الاقل يجعلك بمأمن من الخطف في لبنان. فمن كان يملك مالاً او ينتمي الى عائلة ثرية ما عاد بإمكانه الشعور بالامن والطمأنينة، وليس لديه ترف الخروج من المنزل والتجول بحرية. فهو مهدد في اي لحظة ان تعترضه مجموعة مسلحة وتأخذه عنوة الى جهة مجهولة. وهو مهدد بالاختفاء في اي وقت الى ان يتم دفع فدية مالية وقدرها ملايين الدولارات.
هكذا، في لبنان اليوم نجد مسوغاً معقولاً لسياسات الافقار، سياسات اللاقتصاد التي تفلس الدولة والناس في آن معاً. فمع الفقر وخلو الجيوب من المال تأتي على الاقل طمأنينة عدم التعرض للخطف مقابل فدية.
ويبدو ان مسلسل هذا النوع من الاعمال الاجرامية لن يتوقف قريباً، بدليل ان معدل عمليات الخطف في تزايد وانتشار، كماً ونوعاً. كما ان "أخلاق" السياسة التي تسود البلاد أباحت في مناسبات عدة عمل الخطف بوصفه تعبيراً وفعلاً سياسياً مشروعاً. فمن يخطف نتائج انتخابات بكاملها، ثم يخطف العاصمة بأسرها.. ويخطف ارواح المواطنين، لا يسعه انكار هذا "الحق" على الآخرين، ان ارادوا التمثل به والسير على منواله. كذلك فإن ايديولوجية العسف والقوة والسلاح اباحت الخطف والاحتجاز لمناوئين سياسيين، او لناشطين معارضين، كما حال النشطاء السوريين في لبنان او حال الذين انتقدوا علناً سلوكيات وممارسات اصحاب السلاح، عدا عن "تراث" خطف الاجانب والصحافيين والعسكريين.. الخ.
كل هذا ارسى في لبنان "شرعة" الخطف، التي رأينا اقوى صورها منذ فترة مع "الجناح العسكري" لعشيرة آل المقداد، حيث بات الخطف معهم مجرد كرنفال تلفزيوني، واحتفال عمومي علني، بلا حسيب ولا رقيب.
في زمن الحرب، كان "الخطف على الهوية" عشوائياً وعلى نطاق واسع، وغالباً ما ينتهي اما بمبادلة اسرى واما بتصفية جسدية، واما يختفي في زنزانات المجهول المعلوم. ثم تطور هذا الخطف الى ادوار اقليمية دولية شديدة الدقة والتنظيم والاهداف السياسية.
اليوم بات هذا التراث، الملازم لثقافة السلاح والميليشيا، هو الملهم لعصابات الاجرام المنظم، حيث يمكنها تمويه نواياها وافعالها بالسياسة وتلابس عملياتها عمليات خطف موازية تقوم بها جهات حزبية مقتدرة كما حصل امس في احدى بلدات اقليم الخروب، ومع هذه الملابسة تتوه الدولة وتقع اجهزتها الامنية في الحيرة والحرج: فهل خطف فلان بسبب فدية مالية ام بسبب شبهة سياسية امنية القتها عليه "اجهزة امن المقاومة". ويجوز ايضاً ان تعمد الاخيرة الى تمويه عملية خطف سياسي بالاعلان عن مطالبة بفدية، ما المانع؟
في كل الاحوال، المهم ان يبقى الواحد منا فقيراً ومدقعاً في المال وفي السياسة.. ومن الافضل ان يلزم بيته ويلتزم الصمت طمعاً بأمان وسكينة تزداد صعوبتهما يوماً بعد يوم.
اما الثري منا.. فليذهب الى اقرب سفارة تحصيلاً لتأشيرة هجرة. ليذهب الآن قبل ان يختطفه احد او حتى قبل ان يتم حرق السفارة نفسها. من يدري؟