لم يكن الوضع السياسي في لبنان قبل خمس سنوات، حين اغتيال النائب الكتائبي انطوان غانم، مختلفاً كثيراً عن هذه الفترة التي يعيشها لبنان بالمعنى الأمني، فهناك كثير من التشابه بين الامس واليوم. ففي تلك المرحلة كان الاغتيال السياسي أمراً يشبه الخبز اليومي المر، كان القتل أداة شبه وحيدة لدى القاتل مع بعض "بهارات" التخريب واحتلال الشوارع، وكذلك تشبه تلك المرحلة اليوم من خلال حملات التشهير بقوى 14 آذار قبل قتلهم، أو قبل محاولة ذلك.
حملات التشهير كانت مستمرة عبر سياسيين وعبر صحف صفراء الكلمة والضمير والتمويل، حملات تشهير تشبه الكثير من حملات سبقت اغتيال انطوان غانم في ذلك اليوم من شهر أيلول وقبل اللقاء الأول لمحاولة انتخاب رئيس للجمهورية بعد رحيل إميل لحود، تشهير يحمل رائحة الدم ويحمل حقداً على اللبنانيين الرافضين لمنطق الاستقواء بقوة السلاح والقتل والعبوات الناسفة على وطنهم.
وليس بعيداً من اليوم، حصلت قضية النائب والوزير السابق ميشال سماحة وإلقاء القبض عليه بعد نقله متفجرات أرسلها النظام السوري لتخريب لبنان، متفجرات أرادها أصحابها في قصر المهاجرين في دمشق أن تشعل موتاً وحرباً في آخر الملفات التي ما زال هذا النظام يحاول إبقاءها في قبضته، وخصوصاً مع خروج الملف الفلسطيني في غزة من يده وكذلك ما لديه من أوراق يهدد بها العالم وليس آخرها ورقة "حزب العمال الكردستاني" الغارق حتى آخر مفاصله في ذبح المواطنين السوريين والأتراك على جانبي الحدود.
فقضية سماحة والجوانب الأخرى التي تتكشف حولها، ما زالت النموذج الأبرز لتعاطي النظام السوري مع لبنان في ظل أي حكومة سواء كانت حليفة أو غير حليفة، فهو وبعد انسحابه من لبنان في العام 2005 قتل سمير قصير واستكمل لائحة الاغتيالات الطويلة محاولاً اعلان بقاء جزء من منظومته السياسية والأمنية في البلد، نجح في التخريب على اللبنانيين بسبب وجود أتباع له في لبنان على مستوى أكبر من ميشال سماحة، وأقدر على العنف والقتل، وكذلك أقدر على التهريب وصناعة الموت، نجح ذلك النظام في تأخير انتخاب رئيس للجمهورية بعد رحيل إميل لحود من قصر بعبدا، ونجح عبر أدواته في ضرب الاقتصاد اللبناني ومنع قيام الدولة واحتلال شوارع العاصمة، واشعال حرب في الجنوب اللبناني أدخلت شريكاً جديداً في تدمير لبنان، أي الاحتلال الاسرائيلي.
نجح النظام السوري في تلك المرحلة في تخريب كل شيء بالتعاون والتلازم مع حلفائه ورفاق سلاحه وصولاً إلى مرحلة السابع من أيار عام 2008، ليأتي بعدها اتفاق الدوحة الذي كان أبرز شروطه غير المعلنة أن يوقف النظام السوري وأتباعه عمليات القتل، وهكذا كان إلى حين.
ولكن "من شبّ على شيء شاب عليه"، والرئيس السوري بشار الأسد شبّ في عهد والده الراحل حافظ الأسد على مفهوم القتل والاغتيال والاعتقال والترهيب وزرع العبوات الناسفة، وهو لن يشيب من دون أن يعيش ما شبّ عليه، وهو لن يتوانى عن استعمال كل حلفائه ما استطاع اليهم سبيلاً، أو استعمال أقرب المقربين إليه في زراعة سيف القتل والشائعة لصناعة حبل انقاذ له من الثورة التي يسمع صوت معاركها كل يوم من مخابئه السرية في سوريا.
استعمل ميشال سماحة كنموذج لأقرب الناس إليه في وقت بدأ الرعب يدب في ركاب المحسوبين عليه أو منفذي أوامره في القتل، فنهاية النظام باتت محتومة بالنسبة الى حلفائه، وهم لن يتحملوا في المستقبل المحاسبة على أفعال يطلبها منهم اليوم، وهم لن يتبرعوا أن يكونوا "ميشال سماحة" جديداً في ركب محاولة منع انهيار النظام، فيقعون في التطور الكبير الذي شهدته الأجهزة الأمنية اللبنانية للكشف المسبق لمحاولات التخريب والقتل.
يوم اغتيال انطوان غانم كان النظام السوري ومن تحالفوا معه على القتل يحاولون تأخير الساعة، وامتدت محاولاتهم إلى الانقلاب على فكرة حكومة الوحدة الوطنية، ونجاحهم في تطييرها عبر "حصان طروادة" الذي لم ينتظر حتى إشارة من حلفاء النظام.
سيطرت حكومة "حزب الله" بعد حملة كبيرة لتسليم مواطنين لبنانيين للنظام السوري تلتها حملة القمصان السود، هذه "النجاحات" التي سقطت سريعاً مع بداية نهاية سلطة النظام السوري من خلال تفجر الثورة السورية التي جعلته يخسر العديد من اوراقه، ولكن هذا لا يعني ان النظام لم يتبق لديه ادوات، بل هناك الكثير منها وهو جاهز عبرها لإظهار مخالبه والنهش بالجسد اللبناني ولو حتى آخر نفس له.
قبل استشهاده كان انطوان غانم يعمل من أجل رفض تسليم لبنان للنظام السوري، وكانت بيروت تستجمع فجيعتها بشهداء استقلالها الثاني، وأتى دم غانم لترفض المدينة من جديد الاغتيال السياسي وإعادة الاحتلال الأسدي من النافذة بعد أن تم إخراجه من الباب.
خلال الأشهر الماضية حدثت محاولات اغتيال عدة كادت أن تنجح، من محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع إلى النائب بطرس حرب والنائب سامي الجميل وبعدها محاولات اغتيال النائب عن جبهة "النضال الوطني" أكرم شهيب والتهديدات بالاغتيال للنائب وليد جنبلاط كما برزت معلومات عن محاولات أخرى لتصفية قادة أساسيين في ثورة الارز وفشلت بسبب عدد من التدابير الخاصة والعمل الأمني المكثف.
في هذا الوقت وكما اغتيل النائب الكتائبي انطوان غانم بعد اطلاق شائعات منظمة عن وضعه الصحي والشخصي، بدأ حلفاء "الاغتيال" بتسريب معلومات تطال قياديين في قوى 14 آذار ومن بينهم قياديون كتائبيون، في خطوة لفتح باب الاغتيالات من جديد.
ومفهوم الشائعة قديم جداً، ولكن في لبنان قام البعض بدراسة تفاصيلها في الخارج حيث تحمل في طياتها اكثر ما يمكن من الخبث والحقد واللؤم، لا يمكن لأي كان صناعتها، وأصبح لها مدارس وأساتذة، والواضح أن مطلقي الشائعات من حلفاء النظام السوري بزّوا أساتذتهم في صناعة مثل هذه الشائعات وإطلاقها.
فهم يصنعون الشائعة ويطلقونها عبر إعلامهم الاصفر وعبر مجموعات من أزلامهم، ومن ثم ينتظرون الفرصة المناسبة ليشهدوا مقتل من أطلقت عنهم هذه الشائعات، ولكنهم في الوقت نفسه يعيشون الانفصام مقابل كل شائعة. فالقوى الأمنية اللبنانية فرع المعلومات نجح حتى اليوم في حماية الكثيرين، وكذلك هناك أمر آخر يخيفهم أكثر ويحاولون تدميره وهو المحكمة الخاصة بلبنان والتي بدأت عملها فعلياً، هم ينتظرون نشر ما تبقى من قرارها الاتهامي ليهجموا أكثر، ولكن شفافية المحكمة وقدرتها على العمل في أسوأ الظروف سمحت بتوجيه التهمة إلى القاتل ومعاونيه.
ومع هذه الأمور كلها أتى الربيع العربي ليعيد لأنطوان غانم ابتسامته، وبدل أن يستوطن الخوف من هاجس الاغتيالات، بدأت مرحلة جديدة من مواجهة القتل، وليس أبرزها النجاح في الحصول على "داتا" الاتصالات الهاتفية التي يحاول حلفاء النظام السوري منعها بأي شكل ممكن.
لم تنجح الحماية في منع اغتيال غانم ووليد عيدو وغيرهما من شهداء انتفاضة الاستقلال، ولكن الحماية المسبقة التي تحاول بعض الأجهزة الأمنية القيام بها سمحت في حماية لبنان من التدمير.
اليوم في استشهاده ينظر انطوان غانم إلى زوجته وأولاده الأربعة وأحفاده، فيتأكد أن سلامهم وسلامة لبنانهم محفوظة رغم كل شيء، وأن استشهاده كان واحداً من السبل التي تؤسس للمستقبل الزاهر رغم كل شيء.