اثبتت التحقيقات في اطلاق النار على الجيش اللبناني في طرابلس وجود خلايا لـ «حزب الله» في الشمال وان مجموعة منها هي التي فتحت نيران اسلحتها على الجيش في الزاهرية وانه يتم استغلال حالة الفقر والبؤس ليجنّد بعض الشبان بمئتي الف ليرة شهرياً في عمليات رصد ومراقبة وإحداث مشاكل. فماذا يخطط الحزب لطرابلس وأهلها وماذا يريد من عمليات التسليح والتجنيد هناك؟
عمد "حزب الله" خلال الأعوام الماضية ولا يزال، إلى تشكيل بؤرٍ أمنيّة عديدة يموّلها بالمال والعتاد، وهذا ليس ادعاءً أو افتراضاً أو تحليلاً صحافياً إنما هي إفادات موثقة بعد حادثة "منطقة الزاهرية" التي تعرضت فيها دورية تابعة للجيش اللبناني إلى اعتداء مسلح من عناصر لـ"حزب الله" أثناء مداهمتها مركزاً تابعاً له. وقد اعترف المشاركون بالاعتداء واعلنوا توقيت وطريقة انتمائهم إلى الحزب.
عام 2006 نزح الكثير من أبناء الضاحية الجنوبية إلى شمال لبنان وتحديدا إلى طرابلس. وفي إحدى مدارسها تعرّف ربيع شعبان الذي كان ينقل مساعدات غذائية من مكتب الرئيس نجيب ميقاتي إلى النازحين، على المدعو "عبودي" الذي ينتمي إلى الطائفة الشيعية واشتدت أواصر الصداقة بينهما. وبعد قرابة عام، عاد "عبودي" لزيارة شعبان الذي كان يعمل حينها لدى "حلويات القناعة" في منطقة التبانة واصطحبه إلى الضاحية الجنوبية وعرّفه على شخص يدعى "هاني".
أما الحكاية، فيرويها شعبان مفصلة بعد توقيفه مع مجموعة أخرى شكلت بؤراً عديدة في ضواحي طرابلس كانت تأتمر من عناصر قيادية تابعة لـ"حزب الله" وتتلقى أوامرها وأموالها مباشرة من الحزب بواسطة عملاء له يرأسون هذه المكاتب ومنهم المدعو "حسام مصطفى الموري".
لقاءات "مقنّعة" بين شعبان و"حزب الله"
يروي ربيع شعبان أنّ "هاني" اصطحبه مراراً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت للقاء مجموعات أمنية تابعة للحزب، وكانوا يلتقون في مطاعم مختلفة، أما المكاتب فلم يستطع تحديد عناوينها وامكنتها إذ إنّ المجموعات الأمنية كانت تعصب عينيه بواسطة قناع في كل مرة كان يذهب للإدلاء بإفادة أو لتلقي أوامر أو لقبض راتبه. وقد بدأ شعبان بتلقي راتبٍ شهري قدره ألف دولار من "حزب الله" منذ العام 2007 .
التوقيف
في الانتخابات النيابية الأخيرة كان شعبان يعمل ضمن الماكينة التابعة للرئيس عمر كرامي. وعند حاجته إلى ذخيرة أو سلاح كان يطلبه من الحاج "هاني" الذي يرسله إلى مكتب بلال شعبان مسؤول حركة "التوحيد الإسلامي". وقد حصل شعبان مرّة على 500 طلقة عيار 7.62 ملم كلاشينكوف سلمها إليه أحد عناصر حركة "التوحيد الإسلامي" على دراجة نارية في منطقة أبي سمراء.
أما ربيع شعبان فهو مسؤول الآن عن مجموعة تابعة لـ"حزب الله" مؤلفة من سبعة عناصر هم: زياد خالد عوكر، محمد خ. بركات، عبد ا. الزهر، غسان د. رشيد، فراس م. جابر، نادر ا. المصري، وجميعهم من سكان التبانة وكان مركزهم في قهوة عائدة له في المحلة المذكورة.
مَن هو حسام الموري؟
حسام الموري هو رئيس مكتب "حزب الله" في منطقة الزاهرية في طرابلس، الذي يضمّ نحو أربعين إلى خمسين عنصراً وقد دهمته قوة من فرع المخابرات وأوقفت عددا من مجموعته المؤلفة من المدعوين: خضر جبارة، محمود طراد، ربيع شعبان، محمد مراد، محمود مصطفى، أسامة الناعم، حسين فتوح بعد إقدامهم مع آخرين على إطلاق النار في اتجاه دورية تابعة لفوج التدخل الرابع أثناء ملاحقتها مطلوبين لتوقيفهم في منطقة الزاهرية، وقد تم توقيف المذكورين داخل المبنى في المحلة المذكورة، واتضح أنه مركز تابع للحزب يرأسه المدعو حسام م. الموري. كما أوقفت هذه الدورية في المبنى كلّاً من احمد ع. ا. العلي، احمد يوسف درغام (سوري)، عدنان م. دحدح، خليل ا. الحولي، محمد س. الحولي، محمد س. قلاوون، كامل م. البابيدي، وأبو مصطفى الموري، وهشام م. الموري.
يقول ربيع شعبان أثناء التحقيق معه أنه لا يعلم كيف وصلت الذخيرة إلى مكتب المدعو حسام الموري في مركز الحزب الكائن مقابل مسمكة الجندول في محلة الزاهرية في طرابلس، ولكنه يقر بأن دورية الجيش وأثناء مداهمتها المكان تعرّضت لإطلاق نار من داخل المطبخ على أيدي العناصر التي كانت تحاول الفرار وليس العناصر التي بقيت وحاولت الاختباء، وكانت الغرف تحتوي كمية من الأسلحة والذخائر. ويزعم شعبان أنه لم يطلق النار على الجيش اللبناني. أما المصاب خضر جبارة الذي كان يحمل "كلاشينكوف" عند دخول الدورية المبنى، فقد رماه لدى وقوعه على قاذف "أر بي جي" داخل المبنى.
محمود طراد
محمود طراد هو من الموقوفين الذين انخرطوا في الحزب منذ نحو ثلاثة أعوام من خلال المدعو "المتوفي" (خالد كيلاني) الذي كان ناشطا في مكتب الرئيس ميقاتي، وهو يزور الضاحية الجنوبية باستمرار ويلتقي هناك شهريا المدعو "الحاج حميد" في مكتبه.
وفي نهاية كل شهر، كان يرده اتصال من الحزب ليتوجه الى مطعم او مكان معيّن لقبض راتبه البالغ مليون ليرة لبنانية من شخص يجهله ولا يزال.
يزعم طراد انه لم يكلف أي مهمة أمنية حتى الآن، ولكن عند حصول اي حادث امني في الشمال، كان يفيد عنه مفصلاً إلى "الحاج حميد" المسؤول عن سبعة أفراد غيره هم: محمود م. العلي، خضر جبارة، حسين فتوح، محمد مراد، عدنان دحدح، عبد القادر طراد (أوقف عدد منهم). أما الاجتماعات فقد كانت تحصل في اماكن مختلفة. وأبرز الفارين والمطلوبين الآن هم: محمود العبد الله الملقب بـ"الأسود"، وحسام الصباغ وسعد المصري وابن شقيق محمود العبدالله، بكر العبدالله الملقب بـ"الاسود" أيضاً، وهما متهمان بإطلاق النار على دورية الجيش أثناء مداهمتها مركز "الزاهرية" التابع لهم. إلا أن طراد أقر أنه سلّم بيده المدعو خضر جبارة (الذي اصيب اثناء المداهمة) بندقية "كلاشينكوف".
حسين فتوح
اعترف فتوح أنه ينتمي الى مجموعة المدعو محمود طراد التابع لـ"حزب الله" (والموقوف الآن) وأنّ ليس لديهم اي مركز ثابت، ويلتقي طراد عندما يتصل به، ليسلمه أجره البالغ مئتي ألف ليرة شهريا.
ويشهد فتوح انه شاهد بأم العين كيف ان المدعو بكر العبدالله الملقب بـ"الأسود" قد اطلق النار على الجيش في المبنى داخل الصالون فيما اختبأ هو والمدعو محمد مراد ومحمود مصطفى على "التتخيتة" فوق المطبخ، بعدما تناول السلاح "من تحت المجلى" ووزعه على الشباب الذين كانوا معه فيما رمى هو أرضا بندقية "كلاشينكوف" التي كان يحملها عند دخول الدورية.
محمد مراد
اما المدعو محمد مراد الذي اعترف انه من عداد مجموعة المدعو محمود طراد، فأفاد بأنه ليس لديهم مركز معين للاجتماع ولم يكن يكلف بأي مهمات أمنية في منطقة الشمال، وهو يتقاضى منذ نحو اربعة أشهر أجراً شهرياً من طراد وقدره مئتي ألف ليرة. وكشف ان المسؤول الاول عن المركز هو حسام الموري. وأفاد انه دخل المطبخ اثناء المداهمة وشاهد بكر العبدالله يطلق النار على الجيش.
خضر جبارة
بدوره، أفاد خضر جبارة أنه كان في الصالون عندما اصيب. واعترف بأنه من عداد المجموعة التي يرأسها طراد التابعة لـ"حزب الله" وقد انتمى اليه منذ خمسة أشهر ويتقاضى مبلغ 200 الف ليرة شهريا، وهو لم ينفذ حتى الان أي مهمة عسكرية.
وزعم أنّ حسام الموري، وقبل دخول الجيش المبنى، حاول الاتصال بمخابرات الجيش محاولاً ثنيها عن الدخول. كما جرت اتصالات بين رئيس المجموعة الموجودة في المكتب المدعو ربيع شعبان ومسؤول المخابرات تجنباً للاقتحام، وفجأة حصل اطلاق نار باتجاهه وباتجاه الضابط آمر الدورية ورئيس المجموعة في المكتب، فأصيب بطلقين ناريين في قدمه نقل على إثرها الى مستشفى سيدة زغرتا للمعالجة. وافاد جبارة بأنّ طراد كان سلمه بندقية "كلاشينكوف" بعدما أخذ توقيعه على الاستلام.
وفي التحقيق مع جبارة، أفاد بأنه لم يطلق النار على الجيش باعتبار انه اصيب لحظة دخول الدورية بل إن مطلقي النار هم العناصر الذين كانوا موجودين داخل المطبخ، ولكنه لا يعرف تحديدا من هو المطلق الفعلي، ولا يعلم من احضر السلاح الى المبنى، ولم يلتقِ يوما أي مسؤول من "حزب الله" خارج طرابلس. وكان هناك داخل المكتب نحو اثني عشر عنصرا، اضافة إلى شخص ملثّم يجهله، يدعى "أبو مريم" اختفى اثر الحادثة ولم يعد يعلم عنه شيئا.
محمود مصطفى
اما محمود مصطفى فاعترف أنه من عداد مجموعة المدعو محمود طراد التابع لـ"حزب الله" وليس لديهم أي مركز محدد يجتمعون به. وأفاد بأنه انتمى الى الحزب طمعا بالمال فقط وهو يتقاضى شهريا من طراد مبلغ 200 الف ليرة منذ نحو عامين، وقد هرب الى "التتخيتة" فوق المطبخ أثناء مداهمة الجيش مع المدعوين محمد مراد وحسين فتوح.
في الخلاصة، وبعد ضبط مخابرات الجيش فرع الشمال كمية كبيرة من الأسلحة الفردية والذخائر وقاذفات "أر بي. جي" و"كلاشينكوف"، تبيّن أنّ المسؤول عن المكتب المداهَم هو المدعو ربيع شعبان والجيش لم يقدم على إطلاق النار باتجاهه إنما العناصر الموجودة في المطبخ هي من أطلقت النار. وخلال إدخال السلاح الى الآلية العسكرية حصل تبادل لاطلاق النار بين دورية الجيش وعناصر "حزب الله". والجدير ذكره أن مجموعة اخرى تابعة للحزب موجودة في المبنى ذاته وفي الطابق الارضي تحديدا برئاسة المدعو حسام الموري الذي على حد قوله لم يشاهد أحدا داخل الشقة يحمل قاذف "أر. بي. جي". أما هو فقد كان يحمل بندقية فقط وقد رماها أرضاً ولم يطلق النار من السلاح الذي كان بحوزته على الجيش!
حادثة "الزاهرية" تظهر بالفعل جهوزية مجموعات صغيرة من الحزب عند دق ناقوس الخطر ليبقى السؤال: هل من بؤرٍ عسكرية أخرى قد يتم أو قد تم تمويلها من "حزب الله" بغية توسيع امتداده ونفوذه على طول خط الحدود الشمالية السورية وخصوصا بعد اعتراف "ربيع شعبان" بأنه حصل على السلاح من المسؤول في حركة "التوحيد الإسلامي" بلال شعبان الموجود في ميناء طرابلس، هذه الحركة التي يرأسها الشيخ هاشم منقارة، العدو السابق للنظام السوري والصديق الحميم الحالي له ولحلفائه، خاصة بعد التقارير الأخيرة التي تحدثت عن تمويل هذا الأخير توسيع رقعة البؤر الامنية التابعة للحزب وتطويق عاصمة الشمال من كل اطرافها؟