كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار":
بالتزامن مع "الهدنة" التي فرضتها زيارة البابا بينيديكتوس السادس عشر الى لبنان، يتواصل العمل الغربي وتحديداً الاوروبي على الملف السوري تقويماً لخطوات سابقة واخرى مرتقبة.
واذا كان اجتماع وزراء الخارجية لدول الاتحاد الاوروبي في بافوس، وعلى مسافة اميال من منطقة النزاع السوري، شكل احدى المحطات التي استرعت الانتباه في هذا الشأن، فإن الانظار تبقى متجهة الى مجموعة لقاءات واتصالات مكملة. ضمنها نتائج جولة الممثل الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية الاخضر الابرهيمي في المنطقة، فضلاً عن اللقاءات المرتقبة في القاهرة لمجموعة الاتصال الرباعية ومجموعة "اصدقاء سوريا" في كل من هولندا والمغرب.
وفي وقت بدا ان "اجتماع بافوس" مهد بتوصياته الطريق امام قرارات اوروبية جديدة من خلال اعلان رزمة عقوبات سيفرضها الاتحاد الاوروبي على النظام السوري في المرحلة المقبلة، فإن هذا الموقف يتزامن وسلسلة اقتراحات محتملة قيد الدرس. وهي تشمل وفقاً لمصادر اوروبية معنية بالاتصالات خيارات عدة "تضمن جعل العقوبات فاعلة قدر الامكان مع الاخذ في الاعتبار تداعياتها على المستوى الانساني في ضوء الاوضاع التي باتت تعيشها سوريا". من هنا، ثمة توجه الى ان يعلن الاوروبيون مواصلة استخدام الوسائل العقابية نفسها لجهة تعزيز الحظر التجاري والسفر وتجميد اصول شخصيات داعمة للنظام مع اضافة انواع جديدة من التدابير، على قول مصادر اوروبية معنية.
انسانياً، خصصت المفوضية الاوروبية 50 مليون أورو اضافية للمساعدات، علماً ان هذا المبلغ ينتظر موافقة البرلمان والمجلس الاوروبي كي يصبح صرفه متاحاً. وبذلك، يبلغ مجموع الدعم الاوروبي المالي نحو 200 مليون أورو اي ما يقارب نصف الدعم الدولي الاجمالي للسوريين حتى الآن.
ومعلوم ان هذه المساعدة تساهم في اعانة 1,5 مليون سوري في البلاد ونسبة كبيرة من الـ 200 ألف لاجئ في كل من الاردن والعراق وتركيا ولبنان. ويتوقع ان يضاف اليها مشروع قيد الاعداد يقضي بدعم 500 ألف لاجئ فلسطيني و87 ألف لاجئ عراقي في سوريا.
وليس خافياً ان الاهتمام الاوروبي بملف النازحين تحكمه معطيات عدة. في مقدمها تفاعل الاخطار التي باتت تطرحها الازمة السورية على عدد من الدول الاوروبية، بعد تزايد المعلومات عن دخول النازحين في شكل غيرشرعي الى دول الاتحاد وابرزها اليونان وقبرص عبر تركيا التي تحوّلت محطة ترانزيت لهذا الانتقال. وقد توالت المعطيات في الاعلام الاوروبي والتركي عن حوادث بات يتعرض لها هؤلاء، بينها حادثة غرق 61 شخصاً قرب ازمير والقبض على 67 لاجئاً كانوا ينوون الدخول الى اثينا، فيما ادت اعمال الانقاذ الى انتشال فلسطينيين وايرانيين وافغان، اضافة الى سوريين. تحضر هذه الحوادث على ألسنة الديبلوماسيين الاوروبيين، وهي تحتم على قولهم "مسؤولية على كل الاطراف. وكلما توصلنا الى حل مبكر للازمة عمت الفائدة الجميع". كما انها تتزامن مع اقرار بأن بعض اعداد النازحين بلغ اليونان "ولو ان الرقم يبقى غير مرتفع الى الآن"، الى تأكيد "ان الاتحاد يراقب هذا الوضع بانتباه".
عملياً، شكل الاجتماع الانساني الذي دعت اليه فرنسا في مجلس الامن الشهر الماضي احدى المحطات التي عوّلت عليها بعض الدول لجهة السير باقتراح المناطق الآمنة. واعقب ذلك موقف لافت لوزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس تحدث فيه عن تحديد فرنسا وتركيا مناطق شمال سوريا وجنوبها باتت خارج سيطرة نظام الرئيس السوري بشار الاسد، الامر الذي يتيح حكماً ذاتياً للمجموعات المحلية. وتعلّق المصادر الديبلوماسية الاوروبية على هذه التطورات باعادة التشديد على ان العمل وعلى المستوى الاوروبي العام، تركز ويتركز على 3 مسائل هي: وقف العنف والتوصل الى تركيبة سورية مشتركة تجمع كل اطياف الشعب، الى تأمين ادخال المساعدة الانسانية. وهي تكتفي بالقول في هذا الاطار "ان المعارضة السورية تتقدم على المستوى التنظيمي وثمة محاولة جدية لتوحيدها وهو توحيد نراه محققاً ولو ببطء".
في اي حال، ورغم التباين في المواقف حيال الازمة السورية بين الغرب وروسيا، برز كلام وزيرة الخارجية القبرصية ايراتو كوزاكو ماركوليس التي ترأس بلادها الاتحاد عن اهمية التعاون الاوروبي مع موسكو. ويبلور الاوروبيون هذا الموقف بالاشارة الى موافقة الاعضاء الـ 27 على اهمية الشروع في خطوة اضافية في اتجاه روسيا بالتزامن مع جهود مواصلة الحوار مع ايران وجامعة الدول العربية ومنظمة الدول الاسلامية.
وفي وقت يختتم الابرهيمي جولته في المنطقة عقب انعقاد مجموعة الاتصال الرباعية في القاهرة، يبدو ان هذه الجهود تلقى "جرعة دعم" اوروبية اضافية. وهو دعم تعبر عنه سفيرة الاتحاد الاوروبي في لبنان انجلينا ايخهورست بالتأكيد ان "الاتحاد يتطلع الى نجاح الابرهيمي الذي يعمل مع فريق على خطته، علماً ان البعثة الاوروبية في دمشق على اتصال دائم بممثليه وكذلك الممثلة العليا لشؤون السياسة الخارجية والامنية كاثرين آشتون التي اتصلت به قبل زيارته دمشق".
وايخهورست التي تلفت الى ثقافة السلام التي ارستها زيارة البابا الى لبنان، تشير الى ان "الاتحاد يتابع عن كثب المبادرة التي اطلقها الرئيس المصري محمد مرسي في اتجاه سوريا، كما نوقشت خلال زيارة الاخير الى بروكسيل".
الى ذلك، وبالتزامن مع دعوة لجنة التحقيق الاممية الى احالة الملف السوري على المحكمة الجنائية الدولية، يجدد الاوروبيون مطالبتهم بأهمية سوق المجرمين الى العدالة، وهي مطالبة تلقى ترجمتها باعلانهم ان "مسألة الاحالة مطروحة على طاولة البحث بين الدول الاعضاء وهي قيد المناقشة"، الا انها تترافق مع "نأي بالذات" عن دعوة بريطانيا وهولندا الحكومات الاوروبية الى فرض عقوبات على "حزب الله" لدعمه سوريا. وتبلور ايخهورست ذلك بالقول "لا قرار أوروبياً بفرض عقوبات على الحزب. وثمة تفاهم مشترك بين الدول الاعضاء على عدم ادراجه على لائحة المنظمات الارهابية راهناً. موقف الاتحاد الاوروبي لم يتبدل حتى الآن".