ليس جديداً على لبنان استقطاب المبادرات الكنسية الرائدة، والتي تؤكد التزام المسيحيين بشكل عام والكنيسة الكاثوليكية على وجه الخصوص، دعوة لبنان ورسالته التاريخية، وقد أتت زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر الأخيرة في سياق مجموعة من المبادرات الكنسية انطلقت في أواخر ستينيات القرن الماضي وأسست لعلاقة فريدة بين لبنان والكرسي الرسولي.
ولعل الخط البياني الذي يجمع بين كل مبادرات الكنيسة الكاثوليكية، تأكيدها دور لبنان في المنطقة العربية وفي العالم على مستوى الشراكة الاسلامية المسيحية، وسلسلة المواقف والمبادرات ونتائجها كثيرة.
ينبغي في هذا الاطار مقاربة المبادرة الأخيرة المتمثلة بزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر التاريخية للبنان ومن حيث نتائجها من جهة، ومن حيث نوعية المواقف التي اتسمت بها.
لا يختلف اثنان في لبنان على التأكيد ان الزيارة البابوية اجتذبت كل المواقع والفئات اللبنانية وحفّزتها على المشاركة فيها وتأكيد صوابية مضامينها، فشاركت كل المكونات الطائفية والسياسية اللبنانية في محطات الزيارة، وزرعت بذور السلام والهدوء. وتوقف اللبنانيون طوال فترة الزيارة عن التراشق بالتهم السوداء وتوجهوا الى بعضهم البعض بواسطة الزائر الكبير بإطراءات بيضاء.
وعلى الرغم من الاصطفاف السياسي الحاد الذي سبق الزيارة والأجواء الأمنية المضطربة التي سادت في لبنان على مدى أشهر، بدا أن اللبنانيين أرادوا الارتقاء الى خطاب "قيامي" وإشاعة أجواء الاستقرار على المستوى الوطني.
لقد ذكّر الحبر الروماني اللبنانيين، وعلى مدى 72 ساعة، بأنهم أصحاب دعوة ورسالة وأن لهم مسؤولية كبيرة على مستوى المحافظة على الصيغة اللبنانية المتوازنة، وأن هذه الصيغة الفريدة هي ما يقدمونها الى الآخرين والأبعدين في محيطهم العربي وفي المجال الدولي.
لقد قدمت الكنيسة، وعلى مدى ثلاثة أيام، نظرتها ورؤيتها الى شرق أوسطي يعمّه السلام والمصالحة والفرح… مشهد حضاري لم يخاصم فيه أحد أحداً من المتنازعين في المجال اللبناني.
لقد كان واضحاً إبان افتتاح زيارته الاستثنائية للبنان أن قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر ومعه الكنيسة الكاثوليكية عبّرا عن نظرتهما الى التحولات الكبيرة في العالم العربي. فأكد خليفة بطرس أن الكنيسة تنظر بإيجابية كبرى الى الربيع العربي باعتباره انتفاضة من قبل العرب "للكرامة العربية" وتعبيرهم عن ذلك في سياق الحرية وكرامة الانسان وحقوقه.
ورفض "الرجل الأبيض" في المقابل كل أشكال العنف التي يمارسها أي طرف من أطراف النزاع، معتبراً أن الغاية لا تبرر الوسيلة.
على المستوى الداخلي، بدا واضحاً ان المستفيد الأول من سياق الزيارة هو رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي سيكون له دور محوري في ترجمة التوازن المطلوب على مستوى الصيغة اللبنانية، في المرحلة المقبلة. على مستوى الكنيسة المارونية بدا واضحاً كذلك انها ستتابع تأييدها ودعمها لمؤسسة الرئاسة التي ينتظر المسيحيون منها في المرحلة المقبلة وضع توصيات الارشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الاوسط" موضع التنفيذ بالشراكة مع الكنائس المسيحية الاخرى ومع المسلمين على وجه الخصوص.
ولعل البارز في هذا السياق، هو دعوة الكرسي الرسولي الى الانفتاح على الديانتين الاسلامية واليهودية على السواء، ليس من منطلق اقلوي بل من منطلق قيمي ترتكز عليه الكنيسة في مقاربة واقع المسيحيين في الشرق الاوسط، ويبدو جلياً في هذا السياق انه اذا كانت الكنيسة الكاثوليكية قد دعت إلى حماية كل المكونات الدينية في منطقة الشرق الاوسط فهي لم تدع إليها من منطلق تحالف الاقليات بل من منطلق وحدة العائلات الروحية في منطقة الشرق الاوسط.
أما ضيق نفس السيد حسن نصرالله ومبادرته الى الدعوة الى التظاهر في شوارع بيروت انتصاراً لكرامة الرسول محمد (ص) فقد جاءت ملتبسة وحملت توجهاً سلبياً هدف إلى تعطيل مفاعيل الزيارة وايجابياتها. وتساءلت أوساط كنسية "ألم يكن في المستطاع انتظار وصول قداسة البابا الى حاضرة الفاتيكان للدعوة الى تحركات كهذه؟"، مضيفة "ألم يكن من الافضل جعل قضية الانتصار لكرامة الرسول قضية وطنية كما اعلن الدكتور سمير جعجع، والدعوة الى قمة روحية اسلامية مسيحية يقف من خلالها اللبنانيون جنباً الى جنب في الانتصار لحقوق الأديان على أنواعها؟!".