نعيش في هذه الأيام، أصداء الزيارة البابوية للبنان… إضافة بالطبع، إلى مستجدات طرأت فوراً بعد انتهاء تلك الزيارة حيث ألهبت الأجواء بموضوع الفيلم الخسيس الذي تعرض للنبي محمد «صلعم» بشتى أنواع التفاهات فإذا بها وبالمظاهرة والخطاب الذي تلاها، وفي مظاهرات الأيام القادمة تطرح كبديل عن كل القضايا والإهتمامات والموجبات، والسياسية والوطنية والإجتماعية والأمنية،فضلا عن طرحها كبديل عن الإهتمامات الشديدة المديدة بالوضع السوري ومجازره اليومية المستمرة والمفتوحة على كل الإحتمالات الخطيرة، طويلة المدى، شديدة الحساسية والتعقيد.
شعارات عديدة، أطلقتها الزيارة البابوية، من خلال مضامين الإرشاد الرسولي، كما ومن خلال الخطابات المتبادلة والتصريحات الصريحة والمبطنة. وكان من أهم ما أطلقته في الإطار المسيحي في لبنان وفي المنطقة، شعار رنان، كان له وقعه وصداه في آذان الأخوة المسيحيين: لا تخافوا، أطلقه قداسة البابا بشيء من التكرار، وبكثير من الحزم والعزم.
لا تخافوا. وقداسته يعني من ضمن ما يعنيه، بعض ما حدث في العراق على وجه خاص، حيث غادر بعض المسيحيين بلادهم نتيجة للترهيب المفرط، وأوضاع تلك البلاد المتفاقمة، الأمر الذي بات مثالا يطلقونه في كل مكان، ويستشهدون به عند كل مفرق وكل منعطف.
في لبنان… نحن مؤمنون بأنه ليس هناك ما يدعو لمثل هذا الخوف، فلا المسيحيين مهددون واقعياً من أحد، ولا هم يجابهون تحديات تطاول وجودهم وديمومتهم في هذه الأرض التي نتشارك في مواطنيتها الأزلية– الأبدية، وقد أثبتوا في بعض المراحل التي سبقت، أنهم عصاة على كل تهديد وكل وعيد وكل تآمر… حتى السيىء الذكر كيسنجر، بكل ما كان له من حجم وعزم، لم ينجح في تمرير المؤامرة التي حاكها، والمنطلقة أساساً من مؤامراته على المنطقة ككل، ومن التزام الولايات المتحدة بأمن ووجود وبقاء إسرائيل.
نصائح قداسة البابا للمسيحيين اللبنانيين بألا يخافوا، تجيء في وقت كان هناك بعض من الزعماء المخوّفين، الساعين إلى ممارسة وجودهم وبقائهم وفعاليتهم فـي الساحة السياسية، مما دفعهم إلى زرع الخوف في أجواء يبثون فيها اللهـب، مما أدّى إلى إحداث مسيرة تتجه بعكس السير العام في لبنان وفي المنطقـة، والى الدفع بالبعض إلى الإعتقاد الخاطىء بأن الخوف يزول والبقاء يترسخ، بالوقوف إلى جانب الأنظمة البائدة التي ثارت شعوبها عليها، وأصبح من المستحيل الإبقاء على حكمها وتحكمها.فضلاً عن أن المخوفين أولئك، يطلقون النفير، بأن انتصار الشعب في سوريا هو انتصار للتطرف والأسلمة التكفيرية، واكتساح الأقليات وتشتيتهم، وبأن نجاح الشعب السوري في استعادة حريته سيشكل طعنة لهم وللوجود المسيحي في سوريا بل وفي لبنان!، دون أن نغفل أن معظم الواعين والمدركين مــن إخوتنا في الوطن، يقفون لحسن الحظ… حظهم وحظنا وحظ الوطن اللبناني كله، في المقلب الآخر المدرك بأن الشعب هنا لا يمكن إلا أن يكون مع الشعب هناك، مدافعاً عن حرية الأوطان وديمقراطية الأنظمة وعدالة الأوضاع والتوازنات.
لا تخافوا… يقول قداسة البابا للمتخوفين، ومسلمو هذا البلد قد أثبتوا أنهم بالعموم، أهل تآلف واعتدال، يقولون لإخوتهم في هذا الوطن: لا تخافوا.. نحن وإياكم في نفس الموقع ونفس المتراس، التطرف عدوكم وعدوهم، وإذا كان من مجال للخوف… فهم وإياكم خائفون، ولكن من منطلقات أخرى وتحديات غير تلك التي ينفخ فيها أولئك النافخون في صور الفتنة، هم يخافون، مثلكم تماما، من كل المداخلات والتدخلات الأجنبية، خاصة إذا ما ارتدت طابعاً عسكرياً واتخذت أشكال الدول، وطغت على كل مقومات الدولة.
وهم خائفون من كل تلك الإنتماءات المصطنعة، إلى فرقاء يخدمون الأجنبي ويعلون صوته ومصالحه على صوت ومصالح شعبهم، ويجهرون بولائهم إلى درجة الإلتحام مع قضاياه وتحدياته، إلى كل تلك الدرجات المتقدمة التي ما فتئوا يعلنون عنها، أو يتم الإعلان عنها من قبل مسؤولي الدول الأخرى، على نحو ما أعلن عن وجود عسكريين إيرانيين أوكل إليهم دور قتالي وتنظيمي في لبنان وسوريا.
إن هؤلاء كما صرح به رئيس الحرس الثوري الإيراني، يقدمون النصائح ويخططون لأهل السلاح في لبنان، ولأهل النظام في سوريا، بكل ما يشهده البلدان من أحداث تهز الجميع بزلازل العنف والمقاصد الموبوءة والمشبوهة، مما يتيح لنا أن نسألهم، هل هم الذين ينصحون النظام السوري ويخططون له ويشرفون على تنفيذ عمليات القتل المستمرة والبطش والتدمير الشامل؟
وهم خائفون كذلك من أوضاع سياسية وأمنية ملتهبة نتيجة لأوضاع إجتماعية أشد إلتهاباً وأكثر مدعاة للخوف والتأهب والتحسب، ولينظروا إلى درجات الجوع والتشرد المتنامية وليتعظوا من موجات الهجرة المتزايدة.
وهم خائفون كذلك على بلد تنوص دولته وتذوب، حتى لبات الشعب وكأنما لا دولة له ولا حكومة ترعى شؤونه وشجونه، وليس هناك من أمل في حل مشاكله ومعضلاته وليس لديه ما يرد عنه التحديات ويقيه شر الأخطار والأضرار، بما فيه عمليات خطف المواطنين المستجدة بهدف الإبتزاز والإستحصال على فدية مالية.
أما الذين يحاولون قلب الصفحات وتحوير الإهتمامات واختطافها إلى مواقف وشعارات تغطي على كل القضايا الخطيرة التي تسود لبنان وسوريا في هذه الأيام العصيبة، خاصة بعد افتضاح جنايات ميشال سماحة وملحقاته، فإنها تخلق بعداً جديداً من التحسبات والمخاوف.
إننا جميعا ولكل هذه الأسباب، متخوفون… ومتحسبون… ومتيقظون.