رسم الرئيس ميشال سليمان إطاراً سياسياً ودستورياً وعسكرياً لمقاربة وطنية لسلاح حزب الله، أو سلاح المقاومة، ضمن التصور لاستراتيجية وطنية للدفاع وزعه على أعضاء هيئة الحوار، على أن أخذ المتحاورون وقتهم في مناقشة الأفكار التي تضمنتها الاستراتيجية لطرحها في جلسة أخرى تحدد موعدها في 12 تشرين الثاني المقبل.
واعتبر البيان الختامي لهيئة الحوار التي كانت استأنفت أعمالها أمس في قصر بعبدا، أن «التصور الذي قدمه الرئيس سليمان يعتبر منطلقاً للمناقشة سعياً للتوافق على استراتيجية دفاعية وطنية، ومن ضمنها موضوع السلاح»، والسبيل إلى ذلك المحافظة على دينامية الحوار الذي مهد النائب وليد جنبلاط لضرورة استمراره ولو كان بطيئاً أو امتد لسنوات، على غرار مسألة بلفاست (في إشارة إلى الجيش الجمهوري الايرلندي التي استمرت 12 سنة).
ومع أن هذا التصور لم يكن وحده على جدول أعمال الجلسة، إذ اكتفى بتوزيعه وقراءة سريعة لعناوينه، إلا أنه أشاع أجواء ارتياح، وأضفى مصداقية على الحوار اللبناني، «ووضع الأمور على السكة، ولو تأخر القطار بالوصول»، على حد تعبير أحد الأعضاء المشاركين في الحوار، فضلاً عن تحول هيئة الحوار إلى سلطة عليا تجمع كل السلطات من الرئاسات الثلاث إلى الكتل النيابية والسياسية من قوى 8 و14 آذار، وذلك لسد الثغر التي سببتها عملية الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية.
وأشار البيان الختامي صراحة إلى أن المناقشات تناولت نجاح زيارة البابا بنيديكتوس السادس عشر، وأدانت الفيلم والرسومات المسيئة للإسلام وللرسول الأعظم، فضلاً عن الاجراءات التي اتخذت لمكافحة ظاهرة الخطف والسطو، مع الإشارة إلى أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كانت نجم الجلسة بلا منازع.
ومن هذه الزاوية دلف المتحاورون إلى مناقشة المخاطر المترتبة عن سلسلة الرتب والرواتب التي جرى الاتفاق على وجوب إقرارها بعد تخفيضات تتراوح بين 15 و20 في المائة على الأرقام المقترحة، حتى ولو اقتضى الأمر تطبيق هذه التخفيضات على سلسلتي رواتب القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية.
وكشف أحد الحاضرين لصحيفة "اللواء" أن مداخلة النائب ميشال عون اقتصرت على الوضع الاقتصادي، بعدما كان سبقه إلى ذلك الرئيس فؤاد السنيورة الذي أعلن تأييده لزيادة رواتب الموظفين في القطاع العام، لكنه لفت إلى أن الحكومة تقر زيادات دون رؤية إصلاحية، ودون خطة لتحسين الخدمات، ودون قدرة على تأمين العائدات، وتأخذ البلد واقتصاده وماليته إلى المجهول.
أما عون فدعا إلى إبعاد خزينة الدولة عن التجاذبات السياسية وتوظيف ورقة السلسلة في البازار الانتخابي، لافتاً إلى أهمية متابعة السلسلة من زاوية اقتصادية بحتة ودراسة مدى تأثيرها على الوضعين المالي والاقتصادي في ظل حال الركود الذي تعيشها البلد.
وأثنى الرئيس أمين الجميّل على كلام الرئيس السنيورة حول السلسلة ومسألة العناصر الإيرانية واستخدام السلاح لأهداف غير لبنانية، وهي النقطة التي ركز عليها الرئيس السنيورة في مداخلته المطولة، مطالباً «حزب الله» بموقف واضح في ما يتعلق بقضية وجود الحرس الثوري الإيراني في لبنان، معلناً بأن كتلة «المستقبل» تعارض بشدة أن تتعرض إيران الى أية حرب أو اعتداء من قبل اسرائيل أو غير اسرائيل، لكنها لا يمكن أن تقبل بأن يتحول بلدنا إلى منصة صواريخ لأحد، ملاحظاً انه لم يسمع نفياً واضحاً وصريحاً من حزب الله يقول ان سلاحه هو لاهداف لبنانية.
وبحسب المعلومات ايضاً، فإن جنبلاط الذي تعمد اشاعة اجواء ايجابية، لاعتقاده بأن تصور سليمان يتماشى مع نظرته الى سلاح المقاومة، ركز في مداخلته على الوضع الاقتصادي، مشدداً على ضرورة الاتفاق على المعالجة المشتركة لهذا الوضع ولا سيما موضوع السلسلة بعيداً عن الانقسام السياسي بن 8 و14 آذار بما يضمن احقاق العدالة الاجتماعية والحفاظ على استقرار الوضع النقدي.
وفي تقدير مصادر واكبت الجلسة، انها كانت هادئة ومريحة وبعيدة عن التشنج، ولم يسجل حصول اي سجال، وساهم حضور الرئيس نبيه بري الذي غاب عن الجلسة السابقة التي انعقدت في بيت الدين لدواع امنية، في اخفاء اجواء من المزاح مع الموجودين.
تصور سليمان
ولاحظت مصادر مطلعة لـ"اللواء" ان التصور الذي طرحه الرئيس سليمان للاستراتيجية الدفاعية، كان خلاصة او «توليفة» لكل الأوراق التي سبق طرحها على الطاولة، مع اضافة بعض الاقتراحات والافكار التي ساعدته في وضعها مجموعة من الباحثين والاكاديميين نافية ان يكون التصور ورقة للرئيس سليمان باعتباره حكماً وليس طرفاً.
ولفتت الى ان التصور اخذ من افكار جنبلاط دعوته الى هدنة 48، ومن فريق 14 آذار الالتزام بالقرار 1701 وحصرية السلاح بيد الدولة، ومن افكار عون ان المقاومة تبدأ بعد الاحتلال ومن «حزب الله» التشديد على مقاومة الاحتلال واعتبار اسرائيل عدواً.
ولفتت ايضاً الى ان الرئيس سليمان استند الى المادة 65 من الدستور التي تضع قرار الحرب والسلم في يد مجلس الوزراء، مشيرة الى ان سليمان لم يقل في تصوره ماذا نفعل بسلاح الحزب، لكنه طرح «التوافق على الأطر والآليات المناسبة لاستعمال سلاح المقاومة ولتحديد إمرته، ولاقرار وضعه بتصرف الجيش المولج حصراً باستعمال عناصر القوة، وذلك لدعمه في تنفيذ خططه العسكرية، مع التأكيد على ان عمل المقاومة لا يبدأ إلا بعد الاحتلال».
وقالت المصادر إياها، ان هذه الفقرة من تصور سليمان هي مهمة طاولة الحوار، ولابد ان تأخذ المناقشات حولها جلسات أخرى قد لا تكون ضئيلة، وربما تكون بطيئة، على حد تعبير جنبلاط، الا انها في النهاية لا بد ان نصل الى نتيجة، خصوصاً وان الاستراتيجية ستكون لها ملاحق، تتناول بالذات مسألة الآليات، لكن المهم اننا بدأنا مرحلة البحث الجدي في الاستراتيجية الدفاعية.
ولاحظت المصادر ان النائب محمد رعد الذي يمثل «حزب الله» في الحوار لم يعترض أو يسجل أية ملاحظة على تصور سليمان، ولو من حيث المبدأ، ولفتت الى ان تأجيل الحوار لمدة شهرين، ربما يكون فرصة امام الحزب لتحديد موقفه بانتظار تطورات المنطقة.
اما قوى 14 آذار، فقد اعتبرت مصادر مطلعة فيها لـ«اللواء» ان تصور سليمان «خطوة كبيرة الى الأمام»، مشيرة الى ان غالبية النقاط التي تضمنها تتطابق مع تصور فريق 14 آذار.