لا نظن ان الغالبية الساحقة من اللبنانيين تتطفل على الخبراء الاقتصاديين والماليين المتجردين غير الموصولين بأي افكار واتجاهات سياسية مصنفة، ان هي وقفت مذهولة امام الكرم الحاتمي المذهل للحكومة في رصد وصرف المليارات المتدفقة من كل حدب وصوب في هذه السنة الكريمة بعطاياها التي تكاد تودي بلبنان الى الافلاس والجفاف الشاملين.
وسيلزمنا، نحن عامة اللبنانيين، الكثير من الوقت لنفهم ونستوعب ونهضم مغزى هذه الفلسفة المعقدة التي تجعل حكومة بلد يفترض ان يتبع اقصى معايير التقشف و"الترشيد" في الانفاق والرحمة بناسه ومؤسساته وقطاعاته تنبري الى توزيع العطايا بالمليارات يمينا ويسارا وتسترضي كل ذي نفوذ واقطاع واخيرا تتحفنا بقائمة ضريبية تطاول بأكثر من نصف بنودها الفوق الثلاثين الفقراء و"الوسطيين" وما دونهم بضرائب مباشرة وغير مباشرة تنوء بها بقايا العافية المتهالكة.
غالب الظن ان بين خطط الكهرباء المهاجرة منذ زمن سابق لهجرة العرب عن لبنان، وخطط المياه التي جفت في حنفيات البيوت منذ دهر، وخطط الطرق الموزعة على تصنيفات ذوي النفوذ الانتخابي، وخطط السلسلة وضرائبها التي تحولت حبل مشنقة على اعناق الناس، وخطط التسليح المحدثة التي استفاقت فجأة على واقع الاستراتيجية الدفاعية الهائمة في حوارات بعبدا العبثية، ناهيك عن خطط التنقيب عن النفط الوافدة على طموحات وشهيات متعاظمة تلهب "حروب الحلفاء" داخل الاكثرية الحاكمة، ان بين هذه الخطط وسواها يغدو اللبناني كالزوج المخدوع الآخر من يعلم بما وبمن يتسلل الى منزله في ليالي مجالس الوزراء وامسياته الدافئة.
اذا كان الدافع الى هذا الكرم الملياري عقيدة اقتصادية مالية لا يفقه اللبنانيون مغزاها، فأقل الايمان ان يشرح لهم الممسكون برقاب السياسات العظيمة كيف للبنان ان ينجو بجلده في هذه السنة الكارثية. واذا كان صندوق النقد الدولي جاهلا او منحازا او متواطئا، فلماذا لا ترد الحكومة على تقريره الاخير الذي يعزو التراجع الكبير للاقتصاد والنمو الى السياسات الداخلية لا الى انعكاسات الازمة السورية؟
واذا كان اللبنانيون كثيري التذمر وغير معتادين اقتصاد التقشف، فأين تواضع كبارهم ونقاوتهم وكل "النظافة" والتجرد في الامتناع عن اي شبهة في الصرف على ابواب مرحلة انتخابية، لئلا نقول اكثر في ادعاء التعفف ومهاجمة الخصوم فيما ناطحات الفساد اضحت تنافس اكبر الارقام القياسية للمديونية نفسها؟
ولكن من قال ان الصرف الحاتمي على ابواب سنة انتخابية هو "الحكمة" بعينها؟ أليس في مجلس الوزراء من لا يزال يمسك بعقل بارد لاستدراك الكارثة الآتية التي ستطيح بالبلاد بفضل هذا العبث الاكثري وكل المتواطئين فيه ظنا منهم ان انتخابات ستجرى فوق كل الخراب؟