#dfp #adsense

“الجمهورية”: إلى أين تتّجه الهيئة القضائية في ملف “داتا” الاتّصالات؟

حجم الخط

كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية":

في 11 أيلول، انتهت مهلة تسليم «داتا» الاتصالات إلى الأجهزة الأمنية. لكن الهيئة القضائية الخاصة وجّهت كتاباً إلى وزير الاتصالات نقولا صحناوي تطلب فيه تمديد المهلة أسبوعاً للتمكُّن من ضبط الأمن خلال زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر للبنان. وهكذا كان.

الهيئة والوزارة، استناداً إلى هذا التبرير، تعترفان بأنّ "الداتا" الكاملة للاتصالات كانت حيوية لضمان الأمن، خلال زيارة الحبر الأعظم. وعملاً بهذا المنطق، يصبح السؤال: إذاً، كيف يجوز التوقُّف عن تسليم "الداتا" كاملة بعد انتهاء زيارة البابا؟ فهل الأمن في لبنان استنسابي؟

في عبارة أخرى، هل يكون في لبنان درجتان من الأمن: أمنُ الدرجة الأولى للضيوف، وأمنُ الدرجة الثانية للمواطنين؟ علماً أنّ اللبنانيين يتعرّضون يومياً لمزيد من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال والخطف وأنواع الاعتداءات الأخرى. ومن شأن تسليم "داتا" الاتصالات كاملة، وفق ما تطلب الأجهزة الأمنية، أن يساهم في كشف مؤامرات خطرة. وهذه المؤامرات قد لا تنكشف حقيقتها وحجمها وسياقها الحقيقي، ما لم تتمكّن الأجهزة الأمنية والقضائية من تأكيد الترابط بين العناصر الجُرْمية.

مثلاً: هل إنّ عمليات الخطف، التي تستهدف أشخاصاً متموِّلين، تقف وراءها عصابات تبتغي القرصنة فقط، أم إنّ هناك جهات أخرى تستخدم هذه الوسيلة للحصول على تمويل؟ فالسبيل الأبرز للإجابة على هذا السؤال هو مراجعة "داتا" الاتصالات.

وكانت تردّدت معلومات عن قيام عصابات بشراء كمّيات كبيرة من أرقام الهاتف الخلوي المسبقة الدفع، من دون تسجيلها قانونيّاً، أي من دون تزويد مراكز البيع بوثائق ثبوتية تكشف أصحابها. وهناك شكوك بأنّ هؤلاء يستخدمون هذه الأرقام في تعميم الخطف وسائر مظاهر الفلتان الأمني. ولذلك، جرى الطلب مجدّداً إلى وزارة الاتّصالات التشدّد في هذه الإجراءات. وهي عمَّمت ذلك على نقاط البيع.

"لبنَنة" التجربة الفرنسية

ماذا يجري في الهيئة القضائية اليوم؟

المصادر الحقوقية المتابعة تقول: تبيَّن للوفد القضائي – الأمني، الذي زار باريس برئاسة القاضي شكري صادر، للوقوف على التجربة الفرنسية في هذا المجال، أنّ التشريع الفرنسي يولي جانب الخصوصية والحرّية الفردية أهمّية توازي تلك التي يوليها لكشف الجرائم. وتالياً، يميل الفرنسيون إلى مراعاة هذا الجانب وعدم تجاوزه لمصلحة الجانب الأمني أو الجنائي. والتشريع اللبناني ينطلق تقليديّاً من الأسس عينها التي قام عليها التشريع الفرنسي. ولذلك، على الصعيد النظري البحت، يُستفاد من التجربة الفرنسية أنّ من الضروري عدم التفريط بالخصوصية لمصلحة التحقيق في لبنان.

لكنّ واقع فرنسا الأمني، تضيف المصادر، لا يُشبه الواقع الأمني في لبنان. فهناك فلتان وجرائم واعتداءات وفوضى أمنية واجتماعية على الساحة اللبنانية، لا مثيل لها في بلد متماسك وقوي ومستقرّ أمنيّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً هو فرنسا. وإذا لم يكن الفرنسيون مضطرّين، حتى اليوم، إلى إعادة النظر في تشريعاتهم في هذا المجال، لأنّهم لم يقعوا في تجربة تستدعي منهم ذلك، فإنّ بلداً يعتبر نفسه رائداً للحريات الفردية، كالولايات المتحدة، اضطرّ إلى صياغة قانون Patriot act بعد أحداث 11 أيلول 2001، الذي يتيح للأجهزة أن تخرق الحرّيات وفق ما تراه مناسباً لمصلحة الأمن القومي. وكذلك، فإنّ بريطانيا صاغت قوانين مماثلة عقب استهداف لندن بأعمال إرهابية.

من هنا، توضح المصادر، يجدر بالمشرِّع اللبناني أن يستنبط تعديلات للقانون الساري المفعول ليتمكّن من مواجهة الاستحقاقات الخطرة التي تضرب لبنان وتهدِّد مصيره. لكن هذا التعديل يبدو صعب التحقيق حتى إشعار آخر، لانعدام الثقة بين القوى المتصارعة.

إزاء ذلك، تبدو الهيئة القضائية في صدد التوجّه الآتي: لن تكون هناك حرّية مطلقة للأجهزة في الحصول على كامل "الداتا" لثلاثة ملايين لبناني، لكن الهيئة ستلبّي كلّ طلب للأجهزة الأمنية يتبيَّن أنّه مكتمل المبرِّرات الواقعية. فعلى الهيئة أن تراعي الواقع اللبناني الذي يختلف عن الواقع الفرنسي، شرط عدم التفريط بحقّ المواطن في الحفاظ على حرّيته الفردية.

واليوم، تنكبُّ الهيئة على دراسة ما بين 200 و250 طلباً لتسليم "الداتا"، في انتظار عودة رئيسها القاضي حاتم ماضي من مؤتمر لرؤساء المحاكم العربية العليا، سيعقد في السودان في 23 و24 و25 من الجاري. وستجتمع الهيئة بعد عودته المرجّحة الخميس المقبل لبلورة خياراتها.

لكنّ المؤكّد، وفقاً للمصادر، أنّ اللجنة لن تتهاون في تلبية أيّ طلب للأجهزة، بعدما ساهمت "الداتا" في كشف خيوط عديدة في الملفّات المفتوحة أخيراً، من محاولات الاغتيال الأخيرة، الجرائم العادية، وملف الوزير السابق ميشال سماحة. ولن تكون هناك خطوة تراجعية على الصعيدين الأمني والقضائي… تحت سقف الدستور.

وما يجري درسه داخل الهيئة القضائية، هو طريقة تأمين التوازن بين منطقين: حماية المواطن من جهة، وحماية خصوصيته وحريته الفردية من جهة أخرى. وفي هذا المجال، يسأل نائب في 14 آذار: هل تكون خصوصية المواطن اللبناني أهمَّ من حياته؟ أو بالأحرى: هل يجوز أن تُستباح حياة اللبنانيّين تحت شعار الحفاظ على خصوصيّاتهم؟

خلال الأيام القليلة المقبلة، ستعثر الهيئة القضائية على "الصيغة الذهبية" التي تحفظ الأمن للبنانيين من دون أن تأخذ منهم الحرّية.

فهذه المعادلة (الأمن مقابل الحرّية) لطالما كانت مؤلمة للّبنانيين. ومن خلالها، استطاعت دمشق أن تبسط هيمنتها على لبنان لأعوام طويلة، وهي لا تزال تحاول.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل