توافق أقطاب هيئة الحوار الوطني التي انعقدت في قصر بعبدا الخميس على اعتبار الفيلم والرسومات المسيئة للإسلام "عملاً استفزازيّاً مداناً يهدف لزرع الفتنة والتفرقة والصراع بين الحضارات والديانات والثقافات، وبالتالي دعم الحكومة اللبنانيّة في موقفها الداعي للمبادرة بالعمل على إعداد وإصدار تشريع دولي يحرّم ويجرّم الإساءة إلى الديانات السماويّة".
ولم تبحث الهيئة الاستراتيجيةَ الدفاعية، وهي في الاساس كانت مخصصة لمناقشة تصوّر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، إلّا أنّ النقاش تشعّب الى عدد من الملفّات المطروحة، فحضرت زيارة قداسة الحبر الأعظم البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان، والشأن الأمني والوضع الاقتصادي، حيث استفاض المشاركون في بحثه ولا سيما في موضوع سلسلة الرتب والرواتب، وتناوله رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. كما حضر "الحرس الثوري الايراني" على طاولة المتحاورين، في ضوء تصريحات قائده الأعلى علي جعفري.
السنيورة ـ رعد
وعلمت صحيفة "الجمهورية" أنّ السنيورة بدأ حديثه عن التصريحات الإيرانية الأخيرة، فردّ عليه سليمان: نحن لا نستطيع الّا ان نستوضح من اصدقائنا قبل بناء أيّ موقف وهذا ما قمنا به.
وخلال مداخلته قال السنيورة وفق معلومات صحيفة "الجمهورية": إنّ هناك تصريحات صدرت عن الإيرانيين حول وجود ضباط من الحرس الثوري الايراني في لبنان وفخامتك استوضحت هذا الأمر، كذلك الخارجية الايرانية أوضحت. نحن لن نقف عند كثرة التصريحات والتوضيحات، انّما نرى انّ حزب الله لم يسبق له ان صرّح أو أكّد أو قال إنّه لن يستخدم سلاحه الّا للدفاع عن لبنان حصراً.
وعندما جاء دور رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد علمت "الجمهورية" انّه قال: أحيّي إجماع اللبنانيين من اجل ملاقاة البابا لإنجاح زيارته وندعو الى استثمار نتائج هذه الزيارة الناجحة لتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك بين مكونات المجتمع اللبناني، لذلك نحيّي الموقف اللبناني الرسمي إزاء قضية الإساءة للرسول والمقدّسات وأعتقد انّ لبنان ينبغي أن يبادر ويواصل سعيه من اجل اصدار تشريع دولي يجرّم الاساءة للمقدسات والانبياء.
وأضاف رعد: امّا بخصوص الاسئلة والتوضيحات التي تطرح علينا "بالمفرّق" بين جلسة وأخرى فأنا أريد ان اقول إنّ حزب الله هو اوّل مَن عرض استراتيجيته وكان ذلك في 16 أيّار 2006 في المجلس النيابي حيث تحدّث السيّد حسن نصرالله على مدى ساعة و20 دقيقة وأوضح كلّ المسائل وأجاب عن معظم الأسئلة. ثمّ جاءت الأوراق الأخرى.
لكنّ هناك تياراً أساسيّا ومكوّناً من مكوّنات 14 آذار حتى الآن لم يعرض وجهة نظره وإنّما يكتفي بطرح الاسئلة بالمفرّق، وكأنّ المطلوب من الآخرين أن يجيبوا عن الأسئلة وهو عليه فقط أن يطرحها. فمتى سيقدّم تيار المستقبل قراءته للاستراتيجية الوطنية للدفاع ونحن جاهزون دائماً للاجابة بالجملة على كلّ الأسئلة والإشكاليات التي تطرح في هذه القراءة.
فردّ السنيورة هنا: استراتيجيتنا نحن هي استراتيجية الدولة.
فقال له رعد: هذا حكي عام لا يُصرف. ونحن أيضاً استراتيجيتنا هي استراتيجية الدولة، و"فسّر إذا فيك تفسّر".
وهنا علّق الرئيس نبيه برّي ممازحاً: يا فؤاد، هيئتك متّفق مع الحاج محمد من دون ما نعرف.
مداخلة برّي
وفي معلومات "الجمهورية" أنّ برّي وخلال مداخلته قال: إنّنا نرى في استراتيجية رئيس الجمهورية محاولة للوصول إلى نتائج تتصل بالاستراتيجية. ورأى أنّ أهم نقطة تستدعي النقاش هي الفقرة 3 من البند "د".
الرتب والرواتب
ثم انتقل السنيورة الى موضوع سلسلة الرتب والرواتب فقال: هذه الحكومة تأخذ بقراراتها البلاد إلى المهوار وكأنّ البلاد تمشي باتجاه والعالم باتجاه آخر.
اضاف: إذا وقعنا هذه المرّة "ما حدا بيلمّنا" والزيادات التي أقرّت على السلسلة ستوصل البلاد إلى ما لا تحمد عقباه.
هنا ردّ عليه النائب ميشال عون قائلا: "اللي عم تحكيه عن الاقتصاد صح، لكن لا يوجد طرف في البلد يستطيع أن يقف موقف الرافض لمطالب الفئات الاجتماعية الضعيفة، والمسألة لا تحلّ بحكومة أو بمعارضة، فعلى الجميع التفاهم على طريقة الحلّ وإنصاف هذه الفئات من دون مزايدات".
ورقة سليمان
وكان رئيس الجمهورية وزّع في بداية جلسة الحوار تصوّره للاستراتيجية الدفاعية والمؤلّف من صفحتين مقسّمتين على ثلاثة فقرات: المحاضر، مواجهة المخاطر ومرتكزات الاستراتيجية الدفاعية، وطلب سليمان من اقطاب الطاولة التأنّي في دراسة هذا التصور وتقديم الملاحظات لعرضها على هيئة الحوار في الجلسة المقبلة.
وفي ختام الجلسة توافق المتحاورون على اعتبار هذا التصوّر منطلقاً للمناقشة سعياً للتوافق على استراتيجية دفاعية وطنية من ضمنها موضوع السلاح، والتأكيد على ضرورة المحافظة على دينامية الحوار، حدّد رئيس الجمهورية 12 تشرين الثاني القادم موعداً لجلسة الحوار المقبلة.
وقد سبق الجلسة خلوة ثنائية بين الرئيسين ميقاتي وبرّي في باحة القصر الخارجية دامت حوالي الربع ساعة تناولا فيها أبرز الملفات المطروحة ومازح ميقاتي الصحافيّين قائلا: "بحثت مع رئيس المجلس النيابي كلّ ملف التعيينات".
وأكّد ميقاتي عصر امس من طرابلس "أنّ طاولة الحوار مستمرّة برعاية فخامة رئيس الجمهورية، وهي حتماً ستوصلنا الى برّ الأمان لأنّ الحوار على الطاولة هو حوار جدّي في العمق، والجميع يدرك المصلحة العامة ومصلحة وحدة لبنان ارضاً وشعباً".
قراءة في الورقة
وتوقّفت مصادر واسعة الاطّلاع عند مضمون ورقة رئيس الجمهورية في الإستراتيجية الدفاعية فسجّلت عبر "الجمهورية" بعض الملاحظات وأهمّها ما يتّصل بإشارته الواضحة الى مضمون المادة 65 من الدستور التي تؤكّد انّ قرار الحرب والسلم هو بيد الدولة اللبنانية، وثانيها انّ قانون الدفاع هو من يعطي الإمرة للجيش اللبناني كما بالنسبة الى الإمرة السياسية التي تقع على عاتق المرجعيات السياسية في البلاد، وتكفي إشارته الى ما نصّت عليه اتفاقية الهدنة التي تؤكّد على حصرية استخدام واقتناء القوّة من قبل الجيش اللبناني وصولاً الى اعتبار أنّ عمل المقاومة يبدأ عندما يقع الإحتلال، مع الإشارة الى انه لا اعتراف دوليّاً بوجود إحتلال في لبنان، فيما لا يتنكّر العالم للنزاع الحدودي بين لبنان والعدوّ الإسرائيلي.
وقالت المصادر انّها المرة الأولى التي تكرّس فيها ورقة الإطار القانوني والدستوري للبحث في الإستراتيجية الدفاعية تحت سقف الدستور وفي إطار المؤسسات الشرعية دون غيرها.
وأضافت المصادر انّ رئيس الجمهورية رسم كلّ السقوف الممكنة التي يمكن ان يجري الحوار تحت عناوينها وحدودها ليكون البحث من اليوم وصاعداً من خلال ورقة تتناول ملف هذه الإستراتيجية من مختلف جوانبها السياسيّة والعسكرية والدستورية والقانونية.
محاولة رعد لتأجيل الورقة
وكشفت إحدى الشخصيات التي شاركت في طاولة الحوار لـ"الجمهورية" أنّ رعد قام بمجهود ملحوظ لتأجيل طرح ورقة رئيس الجمهورية الى موعد آخر ربطاً بتقديم قوى 14 آذار استراتيجيتها الدفاعية، لكنّ سليمان الذي تفهّم الاشارة أصرّ في نهاية النقاش الذي قام حول العديد من القضايا الأمنية والسياسية على تقديم ورقته، وهذا ما حصل.
وعكست المساحة التي احتلّها الوضع الاقتصادي على طاولة الحوار الوطني الخميس، دقة هذا الوضع وصعوبة المأزق الذي يواجه الحكومة في مقاربة ملف سلسلة الرتب والرواتب، وسبل التمويل.
وبرز الخميس موقف متصلّب لهيئة التنسيق النقابية التي باتت تخشى المماطلة والتمييع، تمثّل بإعطاء الهيئة الحكومة مهلة عشرة أيام لكي تحيل مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب الى المجلس النيابي، وإلّا الاعتصام والإضراب.