كتبت صحيفة "المستقبل":
نام اللبنانيون أمس على حلم الخطة الأمنية التي أقرّتها الحكومة لوضع حدّ نهائي لظاهرة الخطف المروّع في لبنان، آملين في أن لا يستيقظوا على كابوس عملية خطف جديدة، ربما يختارها الجناة لإثبات قدرتهم على تحدي الدولة بأمها وأبيها، أو يريدونها "ماتش اعتزال" قبل أن تنتهي الأيام السبعة التي حددها وزير الداخلية مروان شربل كسقف زمني لوقف هذا المسلسل المرعب.
لا شكّ في أن المكتوين بنار الخطف يتمسكون بـ"قشّة نجاة"، وهم بلا ريب يراهنون على اي خطة أو تدبير أو إجراء وقائي، يجنّبهم تجرّع هذه الكأس مرة جديدة، أو تجرّع آخرين له، وهم يرون أن مجيء هذه الخطة متأخرة خير من أن لا تأتي أبداً، لكن السؤال كيف يتأكد الناس من أن خطة الحكومة وضعت موضع التنفيذ وأنهم باتوا آمنين على حياتهم وحياة ابنائهم وأرزاقهم، وقادرين على العودة سالمين الى بيوتهم من دون أن تسلبهم أيادي الشرّ نعمة الحرية.
من حق القلقين أن يسألوا ما هي طبيعة الخطة الأمنية؟ وهل هي محكمة وقادرة على بسط سلطة الدولة على هذه العصابات؟ أم أنها عودة لمنطق الأمن بالتراضي، لا يلبث أن يسقط عند أول نزوة لأعضاء هذه العصابة أو تلك؟ وفي رأي خبراء أمنيين، أن خطة كهذه ترتكز على مبدأين لا ثالث لهما، الأول انتشار أمني وعسكري واسع، لكن هذا المبدأ يحتاج الى آلاف العناصر الأمنية التي لا طاقة للدولة على تجهيزها ونشرها في هذا الوقت، عدا عن عدم توفّر هذا العدد اساساً، والثاني يقوم على إبرام صفقة بين الخاطفين والقوى الحزبية النافذة التي تحميهم، بحيث يدخل هؤلاء في هدنة يتوقف معها عداد الخطف لأيام وربما لأسابيع قبل أن تسقط هذه الهدنة عند أي انتكاسة أمنية أو سياسية، وعندها تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وباعتقاد الخبراء فإن الخيار الثاني هو السائد حتى إثبات العكس.
المشكلة أن السلطة الرسمية القائمة بقوة الأمر الواقع، مصرّة على معالجة نتائج الخطف وليس اسبابه ومسبباته، وهي تعرف لكنها غير مبالية، أن العلّة هي في مكان آخر، إنها في السلاح المنتشر في كل منطقة ومدينة وقرية وحي وحتى في كلّ بيت (ممانع طبعاً)، وبالتالي هو سلاح محمي وإن كان من يقبض على زناده عصابات الخطف وقطّاع الطرق وناشرو الرعب بين الناس، طالما أنه سلاح آتٍ من مخازن قوى الممانعة، وهو ممنوع من النقاش وخاضع للخطوط الحمر حتى وإن كانت وظيفته جرمية وبعيدة مئات الأميال عن جبهة المواجهة مع العدو الإسرائيلي، لأن القداسة التي تصبغ هذا السلاح، هي قداسة النسب لا قداسة الوجهة القتالية، ولا ضير في ذلك طالما أن الجبهات في الداخل متعددة ومتنوعة، وما دام الحال كذلك، فإن سياسة الأمن بالتراضي ستبقى سارية المفعول، وستبقى خاضعة لمزاج القوى المعادية لمشروع الدولة، بمن فيهم كتائب الخطف والدهم والاقتحام والسطو والسلب وقطع الطرقات وإحراق المؤسسات الإعلامية وغيرها ممن يسكن محراب القداسة.
ولا يحتاج المرء الى كثير عناء ليكتشف أن ظاهرة الخطف المدفوع، أي خطف المتمولين وأبنائهم والرعايا العرب الذي بات مورد زرق مربح جداً، ولدت من رحم ظاهرة الخطف السياسي الذي بدأ في الضاحية الجنوبية لبيروت، وطاول عدداً كبيراَ من العمال السوريين والأتراك (تحت ذريعة مبادلتهم بمخطوفين لبنانيين في سوريا) وترعرعت تحت عباءته وبحماه، وإذا كان الآمر الناهي في الضاحية الجنوبية سحب الغطاء عن الجناح العسكري لآل المقداد وسمح للدولة بالقبض على عدد من الأشخاص، فإن ذلك لا يمكن الركون اليه كمسلّمة، لأن هذا الآمر الناهي قد لا يتوانى غداً عن الدفع بأجنحة عسكرية أخرى لعشائر أخرى الى الساحة لتنفيذ عمليات مماثلة تحت تسميات أخرى وما أكثرها.
وفي تعليقه على نوع هذه الخطة وجدواها، لفت مصدر أمني الى أن "الخطة الأمنية دخلت حيّز التنفيذ في الاجتماع الذي عقد (أمس) في وزارة الدفاع". وأكد لـ"المستقبل"، أن "هذه الخطة غير قابلة للكشف أو الحديث عنها في الإعلام لأنها بذلك تصبح عرضة للفشل وقد تستفيد من تسريبها عصابات الخطف". معتبراً أن "هناك قراراً جدياً هذه المرة للضرب بيد من حديد، ولتصبح هذه الظاهرة من الماضي".