جاءت زيارة البابا بيندكتوس السادس عشر لتؤكّد ما كانت ذهبت إليه قوى 14 آذار في مؤتمرها الأوّل في 14 آذار 2008 بأنّ «أعمق ما في الخلاف القائم في لبنان هو البعد الثقافي، حيث تتواجه نظرتان مختلفتان: نظرة تقوم على ثقافة السلام والعيش معاً والوصل مع الآخر المختلف، وأخرى تقوم على ثقافة العنف والفصل».وقد جاءت زيارة البابا لتؤكد أيضا ما ذهبت إليه هذه القوى في 17 شباط 2009 عندما أطلقت نداء بيروت تحت عنوان «السلام الآن للبنان».
هذا النداء الذي أكدت بأنه ليس "عرضاً موجّها للفريق الآخر، فريق الحرب الدائمة، ينبغي العدول عنه إذا ما رفض، إنّما خيار نتمسك به ونناضل من أجله لأنه الشرط اللازم لنجاح النموذج اللبناني، فضلاً عن كونه القيمة الأخلاقية العليا في حياة البشرية جمعاء". وخلص النداء إلى دعوة اللبنانيين لاختيار واحدة من ثقافتين: ثقافة العنف والفصل والانعزال، أو ثقافة السلام والوصل والانفتاح.
إنّ أهمية زيارة البابا تكمن في توقيتها المثالي ومضمونها الانساني، إذ أعطت دفعاً وزخما للمناخات السياسية التي بدأت مع انتفاضة الاستقلال واستكملت مع الربيع العربي، وبالتالي إرجاؤها، لو تم، كان قدّم أكبر خدمة لمحور الشر في المنطقة، فيما إتمامها أدّى إلى تظهير صورتين مختلفتين ومتناقضتين: صورة البابا الذي يدعو إلى السلام، وصورة السيّد نصرالله الذي يدعو للحرب.
فالأيّام الثلاثة التي أمضاها رأس الكنيسة الكاثوليكية والمواقف التي أطلقها أخرجت اللبنانيين من واقعهم الأليم المتأتّي من إبقاء وطنهم رهينة لدى نظامي دمشق وطهران، وجعلتهم يتمنّون لو يطول هذا المشهد أو يدوم، إلّا أنّ السيّد نصرالله الذي شعر بخطورة هذا المنحى أبى إلّا أن يعيدهم إلى ما هم عليه بفعل سلاحه، وذلك بعد أقلّ من ساعة على مغادرة البابا.
يخطئ من يعتبر أنّ الحرب القائمة هي من طبيعة عسكرية، فالسلاح هو مجرّد تفصيل في المشهد العام، لأنّ تعريته أمام الرأي العام وإظهاره على حقيقته يؤدّيان تلقائيّا إلى سقوطه، فقوّته نابعة من الفلسفة التي تحيط به وتبرّر وجوده، والدليل النظرة إلى ما يسمّى بالمقاومة قبل الثورات العربية وبعدها، إذ سقط فجأة هذا الوهم بأنّ هذه المقاومة تلتفّ حولها الشعوب العربية والإسلامية، فيما الحقيقة أنّها كانت تستغلّ قمع الأنظمة لهذه الشعوب بغية الإيحاء أنّها الناطق الرسمي باسمها، ولكن ما إن سقطت هذه الأنظمة حتى بانت الهوّة بين الشعوب الإسلامية وبين محور الممانعة.
فأولويّة الشعوب العربية ليس إحراق العلم الأميركي أو الإسرائيلي في العواصم العربية، بل استرجاع كرامتها وحرّيتها المصادرة من قبل محور الممانعة بذريعة المواجهة مع تل أبيب، هذه المواجهة التي لا تستقيم إلّا مع الشعوب الحرّة لا المستعبدة والمستخدمة في إطار مشاريع هيمنة وتسلّط كلّ هدفها الحفاظ على مكتسباتها السلطوية والنفعية باسم الايديولوجيا والدين لـ" بَلف " الناس، لأنّه سوى ذلك مصيرها سيكون مهدّداً، هذا المصير الذي مهما طال الزمن نتائجه تبقى معلومة وهو السقوط الحتمي، لأنّ وجود هذه الأنظمة مخالف لكلّ مسار التاريخ والبشرية.
ولن يكون مصير هذا المحور مختلفاً عن مصير القاعدة، وهما بالمناسبة وجهان لعملة واحدة بمعزل عن الاختلاف في أسلوب عملهما كون جوهر دعوتهما واحدة: تبرير العنف والحرب والقتل، وعندما قتل بن لاندن لم تشهد العواصم العربية أيّة تظاهرة مندّدة بقتله، لأنّ الثورات العربية أسقطت هذا الوهم بأنّ الشعوب الإسلامية تؤيّد الإجرام وتبرّره، هذا الإجرام الذي لا يمكن التخلّص منه إلّا عبر الديموقراطية وارتقاء الشعوب من غوغائية الشارع والأفكار البالية إلى احترام الآخر والانفتاح الثقافي والتفاعل الحر.
من هنا فإنّ زيارة البابا جاءت لتؤكّد على ثقافة السلام التي تعتبر العدوّ الأوّل للنظامين السوري والإيراني، ويكفي في هذا السياق استرجاع بعض ممّا قاله: "علينا الدفاع عن الحياة إذا كنّا نريد السلام"، "أيّها السياسيون والديبلوماسيون ورجالات الدين، ويا رجال ونساء عالم الثقافة، أدعوكم إذاً إلى أن تشهدوا بشجاعة، أنّ الله يريد السلام، الله يستودعنا السلام"، "أصلّي للرب ليمنح منطقة الشرق الأوسط خدّاماً للسلام والمصالحة. إنّي أدعوكم جميعاً إلى العمل من أجل السلام، كلّ على مستواه وحيث يتواجد".
فكلّ فلسفة هذه الزيارة تختصر ببعدي العمل للسلام وعدم الخوف، وفي هذين البعدين فقط يمكن للمسيحية المشرقية أن تحافظ على وجودها واستمراريتها. فثقافة العنف التي ينتهجها "حزب الله" هي المشجّع الأوّل على الهجرة وهي نقيض رسالة البابا، ودعوة الأخير لم تأتِ من سراب بل أتت حرصاً على الحضور المسيحي المشرقي، وإدراكاً بأنّ خارطة الطريق الوحيدة التي تحفظ هذا الحضور هي السلام.
وأمّا دعوة المسيحيين إلى عدم الخوف فهي لتشجيعهم على مواجهة ثقافة العنف التي تقضي على وجودهم، ومواجهتها لا تكون عبر الالتصاق بمحور الشر خشية على حياتهم، إنّما في الابتعاد عن هذا المحور وعدم توفير الغطاء له.
لا شيء يمكن أن يفسّر إطلالة السيّد نصرالله ومجازفته بحياته بعد ساعة على مغادرة رسول السلام سوى أنّ زيارة الأخير ضربت كل مرتكزات ثقافة العنف التي تشكل علة وجود "حزب الله"، وهذا ما دفعه إلى المسارعة لإنهاء مفاعيلها وإعادة المنطقة إلى مناخات التشنّج والتعصّب والحرب تحت عنوان الدفاع عن الإسلام. فهذا الحزب لا يعيش إلّا في الحرب، وبالتالي السلام يشكّل التهديد الأوّل لوجوده.
ويبقى أنّه من ضمن "الفزّاعات" التي كانت توضع في مواجهة المسيحيين عند كلّ مطالبة سيادية الدعوة إلى الاستفتاءات الشعبية على خلفية أنّ المسيحيين باتوا أقلية، فلا بأس من استفتاء شعبي على مواقف كلّ من الرجل في الثوب الأبيض والرجل في الثوب الأسود، وفي حال رفض "حزب الله" الاحتكام إلى نتيجة هذا الاستفتاء، فإنّ الظروف السياسية القريبة كفيلة لوحدها بترجيح ثقافة السلام على ثقافة العنف.
