تنشر "المستقبل" الترجمة الحرفية للمقابلة مع قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر على متن الطائرة التي أقلّته الى بيروت يوم الجمعة 14 أيلول الجاري، وأجراها الناطق الرسمي باسم الفاتيكان الأب فيدريكو لومباردي، مستندة الى النص الأصلي للمقابلة المنشور على موقع الكرسي الرسولي الرسمي.
وفي ما يلي نص المقابلة:
الأب لومباردي: قداسة البابا، مرحباً بك وشكراً لوجودك معنا. هناك نحو 50 صحافياً على متن الطائرة يمثلون لغات ومجموعات وجنسيات مختلفة، ومن الطبيعي أن هناك مئات، بل ربما آلاف الصحافيين الذين ينتظروننا في لبنان، وهم جميعاً يركزون اهتمامهم على هذه الرحلة لمعرفتهم بمدى أهميتها. نحن ممتنون لقداستكم لوجودكم معنا للإجابة عن بعض الأسئلة الصعبة التي وضعها الصحافيون في الأيام القليلة الماضية. سوف أطرح السؤالين الأولين بالفرنسية وسوف يجيب الأب الأقدس بالفرنسية إذ إنها إلى حد ما اللغة الرسمية لهذه الرحلة، فيما الأسئلة الثلاثة الأخرى ستكون بالإيطالية.
قداستك، هناك العديد من المناسبات الرهيبة التي تصادف ذكراها في هذه الفترة، مثلاً هجمات 11 أيلول، مجزرة مخيمي اللاجئين في صبرا وشاتيلا. على حدود لبنان، هناك حرب أهلية دائرة وسط بحر كبير من الدم، كما نرى خطر العنف قائم في بلاد أخرى. حضرة الأب الأقدس، ما هي مشاعرك وأنت تقوم بهذه الرحلة؟ هل راودتك فكرة إلغائها لأسباب أمنية، أو هل اقترح أحد عليك ضرورة إلغائها؟
الأب الأقدس: أصدقائي الأعزاء – أنا سعيد جداً وممتنّ لهذه الفرصة لكي أتحدث إليكم. أستطيع أن أقول لكم إنه لم ينصحني أحد بإلغاء هذه الرحلة، ومن جهتي، لم أفكر حتى بالقيام بذلك، لأني أعلم أنه كلما زاد الوضع تعقيداً، كلما ازدادت ضرورة إرسال إشارة تشجيع أخوي وتضامن. هذا هو هدف رحلتي: توجيه دعوة للحوار، للسلام وضد العنف، للمضي قدماً نحو إيجاد حلول لهذه المشاكل. مشاعري في هذه الرحلة هي فوق كل شيء، مشاعر الامتنان لهذه الفرصة لزيارة هذا البلد الرائع في هذه الفترة، البلد الذي كما قال عنه البابا يوحنا بولس الثاني – هو بلد رسالة متعددة في المنطقة، بلد التلاقي ومصدر الديانات الإبراهيمية الثلاث. وفوق كل شيء، أشكر الله الذي منحني هذه الفرصة، أشكر جميع المؤسسات والأشخاص الذين عملوا وما زالوا يعملون من أجل هذه الرحلة. وأنا ممتن لجميع الذين يرافقوني بالصلاة من خلال هذه الحماية التي توفرها الصلاة والعمل الجاد، أنا راضٍ ومتأكد بأنه يمكننا أن نقدّم خدمة جيدة لصالح الإنسانية ولأجل قضية السلام.
الأب لومباردي: شكراً لك قداسة البابا. يعبر العديد من الكاثوليك عن قلقهم حيال الأشكال المتزايدة للتطرف والأصوليات في العديد من مناطق العالم، وحيال الهجمات التي يذهب ضحيتها عدد كبير من المسيحيين. في هذه الظروف الصعبة والعنيفة في كثير من الأحيان، كيف يمكن للكنيسة أن تستجيب للحاجة الماسة للحوار مع الإسلام، وهو ما أصررت عليه دائماً؟
الأب الأقدس: الأصولية هي دائماً تشويه للدين. إنها ضد روح الدين الذي يسعى الى التصالح وتطبيق سلام الله في العالم. من هنا، فإن وظيفة الكنيسة والديانات هي القيام بعملية تنقية – تنقية نبيلة للدين من مثل هذا الإغراء هو عمل ضروري دائماً. من واجبنا إنارة وتنقية الضمائر والإيضاح بأن كل شخص هو صورة عن الله. علينا أن نحترم الآخر ليس من خلال اختلافه فحسب، بل من ضمن هذا الاختلاف أيضاً، أن نحترم الجوهر الحقيقي الذي لدينا كقاسم مشترك وهو صورة الله، وعلينا أن نعامل الآخر على أنه صورة الله. لذا فإن جوهر رسالة الدين يجب أن تكون ضد العنف – والذي هو أيضاً تشويه للدين مثل الأصولية – ويجب أن تكون تعليم، وتنوير وتنقية الضمائر لكي تصبح قادرة على الحوار والمصالحة والسلام.
الأب لومباردي: دعونا نكمل بالإيطالية. في سياق الصرخة المتزايدة المطالبة بالديموقراطية التي بدأت بالانتشار في العديد من دول الشرق الأوسط من خلال ما يسمّى "الربيع العربي"، وعلى ضوء الظروف الاجتماعية في العديد من هذه الدول، التي يشكل فيها المسيحيون أقلية، أليس هناك خطر لا يمكن تفاديه لنشوء توتر بين الغالبية المهيمنة وبقاء المسيحية؟
الربيع العربي ايجابي
الأب الأقدس: أستطيع أن أقول إن الربيع العربي بحد ذاته شيء إيجابي: إنه رغبة في المزيد من الديموقراطية، المزيد من الحرية، المزيد من التعاون وإحياء للهوية العربية. هذه الصرخة من أجل الحرية، الصادرة من جيل شاب يملك ثقافة أكبر وتدريباً مهنياً، يسعى الى مشاركة أوسع في الحياة السياسية والاجتماعية، هي علامة تقدّم، تطور إيجابي حقاً أشاد به المسيحيون أيضاً. بالطبع، إذا راجعنا تاريخ الثورات، نعلم أن هذه الصرخة المهمة والإيجابية المنادية بالحرية تواجه دائماً خطر التغاضي عن ناحية مهمة – وهذه الناحية هي من ركائز الحرية – وتحديداً، التسامح تجاه الآخر، وبما أن الحرية الإنسانية هي دائماً حرية مشتركة، لا يمكنها أن تزدهر إلا من خلال المشاركة، التضامن والعيش جنباً إلى جنب استناداً لبعض القوانين. هذا هو الخطر الدائم، وهو خطر في هذه الحالة (الربيع العربي) أيضاً. علينا أن نفعل ما بوسعنا من أجل ضمان أن يكون مبدأ الحرية والرغبة بالحرية، يسير بالاتجاه الصحيح ولا يتغاضى عن التسامح، والنسيج الاجتماعي والمصالحة، والتي هي من العناصر الرئيسية للحرية. من هنا، فإن الهوية العربية المتجددة تبدو بالنسبة لي وكأنها توحي بأنها تجديد لمبدأ عمره قرون عدة من التعايش بين المسيحيين والعرب، الذين جنباً إلى جنب، ومن خلال تسامح متبادل بين الأكثرية والأقلية، بنوا هذه الأراضي ولا يمكنهم إلا أن يعيشوا جنباً إلى جنب. أعتقد من هنا أنه من المهم الاعتراف بالعناصر الإيجابية في هذه الحركات وأن نقوم جميعنا بما يمكننا من أجل ضمان التطبيق الصحيح للحرية وأن يتوافق نموها مع الحوار عوضاً من هيمنة مجموعة على مجموعات أخرى.
الأب لومباردي: في سوريا اليوم، كما في العراق قبل فترة، اضطر العديد من المسيحيين، بتردد، إلى مغادرة بلادهم. ماذا تنوي الكنيسة الكاثوليكية أن تفعل وأن تقول من أجل المساعدة في هذا الوضع من أجل وقف هجرة المسيحيين من سوريا وغيرها من دول الشرق الأوسط؟
الأب الأقدس: أولاً عليّ أن أقول إنه ليس المسيحيون فقط هم من يغادرون، بل المسلمين أيضاً. من الطبيعي أن هناك خطراً كبيراً لمغادرة المسيحيين لهذه الأراضي وأن نخسر وجودهم هناك، وعلينا القيام بكل ما في وسعنا من أجل مساعدتهم على البقاء. الطريقة الرئيسية للمساعدة تكون من خلال وضع نهاية للحرب والعنف اللذين يتسببان بهذه الهجرة الجماعية. لذا، فإن الأولوية هي القيام بكل ما يمكن من أجل وقف العنف وإيجاد إمكانية حقيقية للبقاء معاً للمستقبل. ماذا يمكننا فعله ضد الحرب؟ بالطبع يمكننا دائماً نشر رسالة السلام، يمكننا أن نوضح أن العنف لا يحل أبداً المشاكل ويمكننا بناء قوى السلام. إن عمل الصحافيين مهم هنا إذ يمكنهم المساعدة كثيراً من خلال إظهار أن العنف يهدم ولا يبني وأنه لا يعود بالنفع على أحد. ثم يمكن للتصرفات المسيحية أن تساعد، أن نحيي ايام صلاة من أجل الشرق الأوسط، للمسيحيين والمسلمين، لكي نظهر إمكانيات الحوار والحلول. أعتقد أيضاً أنه يجب وضع نهاية لاستيراد السلاح التي من دونها، لا يمكن للحرب أن تستمر. فعوضاً عن استيراد السلاح، والذي هو خطيئة كبرى، علينا أن نستورد أفكار السلام والإبداع، علينا إيجاد وسائل للقبول بكل شخص باختلافه، علينا بالتالي أن نظهر أمام العالم الاحترام الذي تبديه الأديان تجاه الأديان الأخرى، واحترام الشخص لأنه من خلق الله، وحبّ الجار الذي هو رئيسي لجميع الأديان. بهذه الطريقة، ومن خلال استخدام جميع الوسائل الممكنة، بما فيها المساعدة المادية، علينا المساعدة على وضع نهاية للحرب والعنف لكي نتمكن جميعنا المساعدة في إعادة بناء الدولة.
الأب لومباردي: حضرة الأب الأقدس، تحملون معكم إرشاداً رسولياً موجّهاً لجميع المسيحيين في الشرق الأوسط. إنهم فئة تعاني اليوم. إلى جانب الصلاة ومشاعر التضامن، هل ترى خطوات صلبة يمكن أن تقوم بها الكنائس والكاثوليك في الغرب، خاصة في أوروبا وأميركا من أجل دعم أشقائهم في الشرق الأوسط؟
الأب الأقدس: أقول إننا نحتاج لأن نؤثر على الرأي العام والسياسيين من أجل إعلان التزام حقيقي مستخدمين جميع مصادرهم وفرصهم وبإبداع حقيقي لصالح السلام وضد العنف. يجب ألا يأمل أحد بجني شيء من العنف، على الجميع المساهمة إيجابياً. بهذا المعنى نحن أمام واجب حقيقي للتحذير، التثقيف والتنقية. وأكثر من ذلك، فإن على جمعياتنا الخيرية أن توفر مساعدات مادية والقيام بكل ما بوسعها. لدينا جمعيات مثل جمعية "فرسان القبر المقدس" وتحديداً من أجل الأرض المقدسة، لكن جمعيات أخرى بإمكانها توفير مساعدات مادية، سياسة وإنسانية في هذه الأراضي. أريد أن أقول مرة أخرى إن إشارات تضامن واضحة، أيام صلاة عامة، وغيرها من التصرفات الشبيهة، يمكنها أن تجذب انتباه الرأي العام وتؤدي لنتائج ملموسة. نحن مقتنعون بأن الصلاة فاعلة، إذا أقيمت بإيمان صادق فإنها ستترك آثاراً.