كتب مصطفى علوش في "المستقبل":
"وليس يصح في الإفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل" – (المتنبي)
رائعة هي مسرحية عادل إمام "شاهد ما شافش حاجة" واعتقد أن الكثيرين من أبناء جيلي شاهدوا هذه المسرحية مراراً وتكراراً، ومع ذلك فإن معظم مشاهديها لا تزال تثير سيلاً من الضحك المتواصل. وأكثر ما كان يثير الضحك هو تعابير وجه عادل إمام التي توحي بالغباء المفرط، لتأكيد براءة الشاهد وسذاجته عندما دفع الى الحديث عن قضية شاهَدَ بعض فصولها ولكنه لم يفهم منها شيئاً.
لست أدري لماذا تذكرت عادل إمام في مشهد "العته" عندما شاهدت العماد ميشال عون منذ أيام وهو يقول بأنه لم ير أحداً من الحرس الثوري.
لقد كانت تعابير وجه الجنرال تشبه إلى حد التطابق تعابير وجه عادل إمام في ذلك المشهد أمام الكاميرات يردد كلمات "ممغمغة" ومفككة أساسها استهبال الناس الذين يقولون:"الجنرال قلبو طيب وصادق".
ما فهمته أنا من الجنرال هو أن دليله على وجود الحرس الثوري الإيراني في لبنان هو أن يأتي إليه أحدهم لابساً البدلة العسكرية ذات اللون السكري المنقط، الخاصة بالباسدران، ليلقي عليه التحية العسكرية ويتحدث إليه بالفارسية مقدماً له آيات التعظيم والتبجيل لكون الجنرال أصبح من "آل البيت" لمواقفه العظيمة في دعم المقاومة.
ومع ذلك، فقد يقول الجنرال ان عليه قبل أن يقتنع بوجود الحرس الثوري أن يتحقق من هوية من شاهده فقد يكون عنصراً من تيار المستقبل أو القوات اللبنانية متنكراً في زي المناضلين.
مسرحية هزلية ولا شك ولكنها تنتسب إلى صنف الكوميديا السوداء التي قد تثير القرف أو الأسى بدل الفرح والسرور، فبطلها ليس مسطولاً ولا بريئاً وإن تصنع البراءة، فهو أصبح جزءاً من مشروع عنوانه أن "يذهب لبنان وشعبه إلى الجحيم إن لم يكن ملكي أنا"! والواقع هو أن الحرس الثوري هو من أعاد إنتاج وجود العماد عون كما أنتج المئات من الشخصيات التافهة والركيكة الأخرى على كامل التراب اللبناني من زعماء أحياء وبلطجية شوارع إلى صحافيين وإعلاميين، إلى سياسيين ومقاومين زائفين.
كيف تواجد الحرس الثوري في لبنان؟
الاستنتاج المباشر لقول الجنرال هو أن الجنرال جعفري، قائد الباسدران المنتشر في الكثير من أنحاء العالم، كاذب أو على الأقل "أهبل" في إعلانه وجود رجاله في لبنان وسوريا، مع العلم أنها لم تكن التصريحات الأولى له ولمن سبقه بخصوص الموضوع نفسه.
ولكن هل يحتاج الحرس الثوري اليوم لأن ينشر عناصر إيرانية في لبنان في وقت شعر فيه رئيسه أحمدي نجاد بأنه في مقاطعة إيرانية عندما زار لبنان في ظل هتافات الحشود "خوش أماديد" وعندما غنت له فرقة المقاومة الموسيقية واصفة إياه بكونه "رؤى الأمم؟".
الواقع هو كالآتي: ابتدأ التنسيق مع مشروع ولاية الفقيه منذ بدايته في إيران في العام ، وكان الهدف نقل التجربة الثورية الإسلامية إلى لبنان لتوحيد المناضلين تحت راية واحدة، ومن المعروف أن آخرين كانوا على صلة مع هذا المشروع قبل سنوات من ذلك التاريخ. وقد تبجح أيضاًً أحد اللبنانيين (أنيس نقاش) بأنه هو من كان وراء فكرة إنشاء الحرس الثوري في إيران.
لا يمكن تأكيد مدى وجود حراس الثورة في لبنان قبل الاجتياح الإسرائيلي سنة ، فقد كان بحسب المعطيات الموثقة بتعاون مع الرئيس الراحل ياسر عرفات. لكن تدفق هؤلاء إلى لبنان أصبح واضحاً مع الاجتياح، وأتى يومها في ظل تضعضع الوجودين السوري والفلسطيني في لبنان.
وبحسب تصريحات واضحة من قبل مؤرخي "حزب الله"، فقد كانت هذه المجموعات نواة الحزب وكان ولا يزال الكثير من العسكريين يحملون رتباً عسكرية على مختلف المستويات في الحرس الثوري. وبحسب المعلومات فإن المئات من هؤلاء "تلبننوا" بعد ذلك وتزوجوا وكونوا عائلات وتجنسوا، ولا أعتقد أن الجنرال وأتباعه اليوم قادرون على تفريقهم عن باقي "اللبنانيين"من جمهور المقاومة.
أما بعد ذلك، فإن آلافاً من اللبنانيين المنضوين تحت لواء المقاومة تمت تربيتهم في مزارع تفقيس إيرانية على أساس الانتماء إلى مشروع ولاية الفقيه من خلال معسكرات تدريب وتثقيف لم تنقطع على مدى ثلاثة عقود يذهب خلالها "المتطوعون" إلى إيران التي تحولت إلى "الأم الحنون" بعد أن كانت هذه صفة فرنسا يوماً ما.
عدا عن ذلك فقد سيطر فكر ولاية الفقيه بشكل حاسم على معظم الحوزات العلمية في لبنان فتخرج المئات من رجال الدين المعممين والمفوّهين الذين أصبحوا يعتبرون الالتزام بمشروع ولاية الفقيه الإيراني جزءاً من التشييع فعمموا هذا الفكر على جمهور المقاومة. ولا يزال يرن في أذنيّ تصريح أحد أحبار "حزب الله"، ابراهيم أمين السيد عندما سئل عن علاقة حزبه بإيران فقال: "نحن إيران في لبنان، ونحن لبنان في إيران"، وتصريحات لعشرات من المسؤولين الإيرانيين حول الاستيلاء على لبنان وعن اعتبار لبنان موقعاً متقدماً للدفاع عن إيران وعن اعتبار "حزب الله" جزءاً من المنظومة العسكرية الإيرانية. ويكفي أيضاً أن نراجع كيف استعمل لبنان منطلقاً للإرهاب وخطف الطائرات والأجانب وكم تحمّل من الدمار والقتل في معارك لتثبيت سلطة الولي الفقيه على القرار الشيعي أولاً وعلى السلطة في لبنان ثانياً وكله تحت شعار واحد اسمه المقاومة وحزب المقاومة.
لذلك، وبصراحة، لا يعنيني لا من قريب ولا من بعيد الحديث اليوم عن وجود الحرس الثوري بصفة مستشارين أو خبراء أو مقاتلين, فالحرس الثوري موجود في السلطة من وزراء ونواب وفي المؤسسات الأمنية والإدارات وبالطبع على الأرض من خلال فيلق عسكري كامل اسمه "حزب الله".
الجنرال جعفري قال الحقيقة كما هي أما الجنرال عون فربما أنه تعلم فن التقية.