تَمسّك بعض المسيحيين بفرنسا في مرحلة زوال الانتداب الفرنسي عن لبنان، كذلك تَمسّك بعضهم ولم يزل بالوصاية السورية التي خرجت عسكرياً من لبنان.
يوم نشوء الدولة اللبنانية كان المسيحيّون منقسمين في الرأي والكتل والأحزاب والمواقف، وفي ذلك إيجابية لعدم ضرورة وجود أحادية في الرأي المسيحي، بل تنوّع يُغني الحياة السياسية اللبنانية ويضفي على الديموقراطية اللبنانية تميّزاً ملحوظاً.
إستمرّ الوضع كما هو في مرحلة ما بعد الاستقلال حتى دخول لبنان الحرب الأهلية، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على التنوع داخل المجموعة المسيحية، بل مسألة تقهقر واضمحلال وخسارة الحضور والدور الذي أدّته هذه المجموعة بأبعاده التاريخية والمشرقية.
وقد اضطُهدت هذه المجموعة في المواجهة بما سمّي في حينها مع المقاومة الفلسطينية التي حاولت أن تفترش لبنان وطناً أو ساحة بديلة عن فلسطين المحتلة، كما اضطُهدت هذه المجموعة أيضاً من خلال المواجهة مع النظام السوري الذي احتل لبنان وأمعن في محاولة تركيع جميع اللبنانيين، وقد نجح في مكان وفشل في آخر، هذا النظام الذي طُلب منه الدخول لتقديم يد العون للبنانيين، فمدّ يده على جميع اللبنانيين.
وفي كل هذه المرحلة، تراجع الدور والحضور لدى المسيحيين، حتى وصل إلى درك خطير. أما وبعد خروج الوصاية السورية من لبنان، وبدلاً من أن تأخذ القوى المسيحيّة المبادرة الممثلة لهم في بثّ الروح لإحياء الدور وتأكيد الحضور، فما توصلوا إلى إزالة كل الخلل ولا حتى جزء منه.
لقد كان الخلل معروفاً جراء سوء تطبيق "اتفاق الطائف" كما يكمن الخلل أيضاً في بعض الشوائب التي اعترت صلاحيات رئيس الجمهورية في إطار تمكينه من أداء دوره كحَكم فعلي بين السلطات من دون المساس بحقوق سائر الجماعات اللبنانية، إضافة إلى الهجرة التي لحقت بالمسيحيين خصوصاً وحرمان نسبة كبيرة من حقهم في الحصول على الجنسية اللبنانية، وتهجيرهم عن قُراهم، وإبعادهم أو بعدهم عن الإدارة العامة.
كما يكمن الخلل أيضاً في قانون الانتخاب، فهو وبعد عودة القوى السياسية لممارسة دورها بصورة طبيعية بعد زوال الاحتلال السوري، وعلى رغم مرور ما يفوق السبعة أعوام على ذلك! لم يتمكنوا من تقديم مشروع موحد وواضح أو مشاريع متعددة من شأنها أن تزيل الخلل وتعيد التوازن. وقد دخلوا في الربع الأخير من ساعة الصفر، حيث بات موعد الانتخاب قريباً وإذا حصل التعديل في هذا القانون وأزيل شيء من الخلل، فهم لا شك تأخروا أو كانوا قد لجأوا من حيث يدرون أو لا يدرون إلى الأسلوب نفسه الذي كانت الوصاية السورية تقوم به، وهو إقرار تقسيمات انتخابية قبل أشهر قليلة من الانتخابات بما يربك الناخب والأحزاب على حدٍ سواء ويؤثر سلباً في العملية الديموقراطية.
نأمل أن لا يكرروا هذه الأخطاء، فيستمر الخلل نتيجة مصالحهم وصراعاتهم السياسية، حيث إنّ التوازن المنشود مطلوب بإلحاح بُغية تطوير الحياة السياسية اللبنانية، لترتقي لاحقاً إلى مستوى دولة مدنية يسودها العمل الحزبي العصري، وذلك من خلال التداول على رئاسة الأحزاب بعيداً عن الإقطاعية الحزبية، وذلك من أجل الإنسان والمواطنيّة في لبنان.