بشارة الخوري وسمير جعجع، لاعبان أراد التاريخ أن يؤدّيا الدور عينه في مباراتين مماثلتين يفصل بينهما ما يزيد على السبعين عاما. ثمة اختلافات كبيرة بين الرجلين في المنشأ العائلي والمسار السياسي والسلوك الشخصي. لم يتشابه الرجلان في شيء إلّا الموقف التاريخي. وبما لا يُقاس، تبدو معاناة سمير جعجع ومصاعب مساره السياسي نزهة أمام التحديات التي تصدى لها بشارة الخوري.
حتى في السجن، أيام لبشارة وسنوات لسمير. البارحة كان 21 ايلول، وفي مثل ذلك اليوم قبل اثنين وعشرين عاماً سلك اتفاق الطائف طريق التنفيذ الدستوري، وعادت لعبة الأقدار لتجمع بين رجلين مارونيين من طرفي "جبل لبنان" الشمالي والجنوبي.
من واقع تمرسّه السياسي، المسنود على زعامته العائلية، المعطوف على شبكة تحالفاته الوطنية، المقرون بقراءته للزمن والتحوّلات، إندفع بشارة الخوري بعكس مزاج المسيحيين العام، وجرّعهم كأس صيغة الـ 43. تلك الصيغة كانت افضل "صيغة" ممكنة، وكانت تحتاج إلى تطبيق وتجربة. سنوات قليلة "وسقطت الصيغة في التجارب"، ليست لأنّها سيئة، بل لأنّ المسيحيين والمسلمين لم يكونوا في اللحظة التاريخية المناسبة ليهضموها أو يقتنِعوا بها. اعتقدَ المسيحيون أنّهم بهذه الصيغة "يُمَسحِنونَ سياسياً" المسلمين، وسرعان ما اعتبر المسلمون أنّ اتفاق العام 1943 عاش أكثر مما ينبغي.
في العام 1989، حمل سمير جعجع الثقل الأكبر من اتّفاق الطائف. لم يتمتعْ كبشارة الخوري بتيارٍ عابرٍ للطوائف ينضوي تحت لوائه، ويسهِّل مهمته. بل على العكس، كان سمير جعجع الزعيم المسيحي وشبه الوحيد بين المسيحيين، الذي رفع أثقال هذا الاتّفاق سياسياً وعسكرياً وأمنياً وتاريخياً.
الأحزاب والشخصيات المسيحية الداعمة كان موقفها التاريخي مهمّاً جداً، ولكن الاتفاق احتاج إلى رأس حربة سياسية ودبابات ومدافع تحمي المواقف. الدبابات والمدافع كانت عند سمير جعجع، بدباباته ومدافعه حمى مَخاض ولادة الطائف، ثم أقدم على تسليم تلك الدبابات والمدافع ليبصر اتّفاق الطائف النور.
لِمَن نسي تلك المرحلة، اعتقد أنّها كانت أصعب من سنوات السجن. فالسجن لم يكن أكثر ألماً من الوقوف بعكس مزاج مسيحي عام. والمحاكمات والقمع والتشهير كانت أقلّ صعوبة من اضطراره إلى استعمال يديه الاثنتين لينزع أصابع رفاقه الملتصقة بالزناد. موقف تاريخي متقارب بنتيجتين متناقضتين. بشارة الخوري، صيغة الـ43 وضعته في قصر الرئاسة، واتّفاق الطائف أرسل سمير جعجع إلى السجن.
ساعد بشارة الخوري أيضاً، تيار فكري على رأسه ميشال شيحا، الذي زيّن الصيغة وعدَّدَ مآثرها ورسمَ لها وطناً جميلاً ورائعاً في قِيَمِهِ ودورِه. حتى اليوم، ما زال الطائف من دون "ميشال شيحا" خاص به. الدفاعات السياسية للسياسيين والشروحات الدستورية للقانونيين لا تكفي. إذا عاد وانتظم الطائف، عسى أن يكون له فلاسفة ومفكرون، لأنّ مدة صلاحيته تقارب الانتهاء، ونحن لم نستعمله بعد!