
من مئة عام في 14 ايلول 1912 تحديدا، حصل ذلك: "كنيسة سيدة البير" احتفلت بقداسها الاول، بعد تشييدها عامذاك. انها "الكبيرة"، كما تُميَّز، لان ثمة اخرى صغيرة، على "كتفها"، تحمل الاسم نفسه، وهي اثرية تختزن فيها الف عام على الاقل، وفقا للتقديرات. وبين الاختين، بئر وايمان ورع وصلوات رفعها هناك اهال على مر القرون الى مريم العذراء… واستجيبت.
انه اكثر من يوبيل، واكثر من الفية. انها استعادة لتاريخ مسيحيين، لجذورهم الضاربة في لبنان. فالكنيسة الاثرية تُعتَبر "اقدم كنيسة مارونية على الساحل، اذ يعود تاريخ بنائها الى ما بين عامي 751 و791"، يفيد كاهن رعية سن الفيل المارونية الخوري جورج شهوان. والحاجة الى كنيسة اكبر مع تزايد ابناء الرعية هي التي اوجبت بناء اخرى، "عند شمال الصغيرة"، عام 1912، في عهد الخوري "الشهيد" يوسف الحايك. ولحاجات الرعية المتنامية، تم توسيع الاخيرة عام 1960.
واذا كانت الاختان تحملان اسم "سيدة البير"، فذلك نسبة الى البئر الموجودة في المكان… بينهما. ويروي شهوان "ان الاهالي كانوا يؤمنون بان ماء البئر عجائبي، وكانوا يعمدون الى انزال اولادهم فيها، ايمانا منهم بان من سيبصرون النور بعدهم ستكتب لهم الحياة، بشفاعة السيدة العذراء". ولعل ما كتب الله ايضا للرعية "نِعَما اغدقها عليها، اذ تحولت على مر الاعوام منبتا للدعوات الكهنوتية. فكل سنة، لدينا دعوة او دعويان اكليريكيتان، بما جعلها تستحق اسم مشتل الدعوات الكهنوتية"، على قوله.
كان مقررا ان تنطلق احتفالات يوبيل الكنيسة الكبيرة في 14 ايلول. لكن وصول البابا بينيديكتوس السادس عشر الى بيروت في اليوم نفسه أوجب استباق الموعد باسبوع، فكانت الانطلاقة في 8 ايلول، عيد مولد السيدة العذراء. وفي البرنامج، نشاطات كثيرة دينية وثقافية وموسيقية وفنية… تمتد طوال سنة بكاملها.
والسنة قُسِّمت 3 مراحل، وفقا لما يشرح المسؤول عن لجنة اليوبيل نجيب زوين. "الاولى من 8 ايلول 2012 الى 5 كانون الثاني 2013 حول مريم المؤمنة، الثانية من 6 ك2 الى 11 ايار عن مريم الشاهدة، والثالثة من 12 ايار الى 14 ايلول عن مريم الخادمة". ويقول: "اردنا ان تكون سنة اليوبيل سنة كاملة من الاحتفالات، كي يكون لنا الوقت الكافي للرجوع الى ايماننا الحقيقي وصفاء ذهننا وتعاليمنا المسيحية، ونعيش الايمان والمحبة والرجاء".
ولان السيدة العذراء هي شفيعة سن الفيل "من اكثر من الف عام، رغبت اللجنة في ان تستوحي من حياتها نشاطات السنة اليوبيلية"، يقول زوين. ومن خلال "مشاريع كثيرة"، تختبر الرعية عيش حياة "مريم النموذج"، وتتذكر ايضا كل من بنوا وساهموا، اي "اصحاب الايادي البيضاء، الى غيره من الامور". ويضيف: "نقتدي بنموذج مريم، ونسأل الله ان ننقل هذا القدر من المحبة الذي وصل الينا من اجدادنا الى ابنائنا واحفادنا… نحتفل باليوبيل، وفي الوقت نفسه نبني لابنائنا… ومشاريعنا مستمرة".
في اليوبيل، تبقى الكنيسة الاثرية أيضاً في صلب الاهتمام، اذ لها مشروعها الخاص القاضي باعادة اظهار معالمها التاريخية والدينية، باشراف مديرية الآثار، على ان تُزال الطبقة التي بنيت فوقها لحاجات الرعية. ولكن قبل ان تَكشِفَ الصغيرة اسرارها، ستصير "مذودا للطفل يسوع" في عيد الميلاد… وستكون فريدة من نوعها.