نفى وزير إعلام بشار الأسد أن يكون رئيسه أدلى بحديث إلى صحيفة "الأهرام"، ثم كرّر بشكل شبه حرفي كل ما ورد في ذلك الحديث المنبوذ من هجوم مثلّث على السعودية وقطر وتركيا.
والغريب أكثر، ان ما أُنكر من قول الأسد في حق الدول الثلاث سبق أن قاله ويقوله مباشرة أمام كل من يلتقيه، وغير مباشرة بواسطة أدواته التبليغية المعروفة إن كان في لبنان أو في غيره، وعاد وزير إعلامه وكرّره بالأمس تحديداً.. ورغم ذلك كان النفي.
صعبٌ في الشكل فكّ طلاسم هذه الحركة وأهدافها، لكنه سهل في المضمون، طالما انها حركة تأتي في سياق مدوّنة اللامنطق التي تحكم سلوك وأداء الأسد وحاشيته منذ بدء الثورة السورية.. تلك المدوّنة التي أدّت وتؤدي إلى سلسلة كوارث متناسلة أبرزها وأخطرها وأفظعها تدمير سوريا بحجة درء المؤامرة عنها!
وكأن هناك مؤامرة يمكن لها أن تنجح في تحطيم إمكانات وقدرات هذه الدولة المحورية أكثر مما فعلت وتفعل الآلة الأسدية منذ 19 شهراً؟ غير ان لعبة النفي (في التفصيل) هي واحدة من أبرز مكوّنات منظومة السلوك الأسدية تلك. بدأت مع الأب سابقاً واستمرت مع الابن لاحقاً: يرتكب الجريمة ويسأل متهميه عن الدليل! وإذا جاء الدليل (نادراً؟) يعمد إلى النكران، وبعيون مفتّحة لا ترمش!
سنوات طويلة تسلّينا فيها مع قصّة الأسد الأب مع المبعوثين الدوليين (الأميركيين تحديداً) غداة أي عملية ذات طابع ارهابي يشتبه في تورّطه فيها: "أعطونا الدليل".. وإذا حصل وقُدّم ذلك الدليل، انتقل إلى حزّورة نكران أسوأ وأزنخ: ما هو تعريفكم للارهاب؟!
ورث الابن عن أبيه الأداء والسلوك، والسؤال وتتمته. لكن بوتيرة أكثر عنفاً وجموحاً: من التفجيرات الارهابية العصية على الوصف في العراق. إلى جرائم اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن كان معه وتلاه من شهداء "ثورة الأرز" في لبنان. وصولاً اليوم، أي منذ 19 شهراً، إلى الجريمة الأفظع اللاحقة بشعب سوريا وبنيانها في كل مراتبه ومستوياته. حيث ان ما يجري من قتل وتدمير وفتك شيطاني، هو بحسب عُرفه وسلوكه، من فعل عصابات ارهابية تموّلها السعودية وقطر وترعاها تركيا.
و"الدليل" على ذلك، هو أرتال الدبابات التي تستعرض مدافعها وجنازيرها في طول سوريا وعرضها (بعيداً عن الجولان) والطائرات الحربية التي تدكّ القرى والتجمعات والأحياء السكنية من دير الزور إلى حلب!
لا يدري بعد، ان صدقيته التي كانت ولا تزال تساوي الصفر المكعّب، وصلت الآن إلى ما دون الصفر وتجمّدت في مكانها. ولم تعد هناك وسيلة معروفة فوق هذه الأرض، يمكن أن تُذيبها وأن تعطيه بعد ذلك، أي علامة ترفعه فوق ذلك المستوى، حتى لو قال إن اليوم هو السبت في الثاني والعشرين من شهر أيلول عام 2012!
ثم بعد ذلك، لا يدري انه كلما شتم وذمّ السعوديين والقطريين والأتراك، زاد اقترابهم من أفئدة العرب والمسلمين والأحرار في كل العالم، وترسّخ حضورهم في الضمائر الحيّة. وكَبُر اليقين بأن سوريا وشعبها صارا، أكثر من أي وقت مضى، قاب قوسين أو أدنى من الانتصار التام.