كتبت داليدا السكاف السمراني في "المستقبل":
كيف كانت نتائج زيارة الحبر الأعظم إلى لبنان؟ وكيف يقرأ بعض فاعليات مدينة جبيل العريقة "بتنوعها" هذه الزيارة "الحدث"؟ سؤال طرحته "المستقبل" على مواكبين لهذه الزيارة أجمعوا على أهميتها وعلى أهمية الإنعكاسات التي يمكن أن تخلّفها.
سعيد: الإرشاد للعيش المشترك في كل الشرق
منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد اعتبر أن "أحد أبرز أهداف زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان كان تسليم الإرشاد الرسولي عبر هذا البلد وعبر بطاركة الشرق الأوسط إلى كل الشرق، فالإرشاد هذه المرة كما قال لم يكن موجهاً إلى اللبنانيين، بل إلى كل الشرق الأوسط". واعتبر "أن ما توجه به "الإرشاد" هذا العام بني على قاعدة إرشاد عام 1997 الذي كان موجهاً إلى اللبنانيين، والذي اعتبر ان العيش المشترك هو "رسالة لبنان".
أضاف: "أما الإرشاد الرسولي هذه المرة، فقد بني على التجربة اللبنانية من أجل مطالبة الشرق الأوسط بتبني العيش المشترك، وهنا على الجميع في المنطقة تحمّل مسؤولياتهم تجاه شعوبهم".
ولفت إلى أن "الإرشاد ليس بياناً سياسياً، بل يتطلب نضج في القراءة، فرجل السلام أتى إلينا ليقول أن شعوب المنطقة التي اختبرت كل أشكال العنف مدعوّة إلى إرساء السلام"، آسفاً أن هناك قوى فصل (أكانت مسلمة أو مسيحية) تنادي بضرب صيغة العيس المشترك".
وأعلن أنه "متفائل جداً بعد زيارة قداسته إلى لبنان رغم كل المعوّقات التي تلت الزيارة مباشرة، خصوصاً حين أطلّت على اللبنانيين احدى القيادات المحلية التي حرّضت الناس ضد الرأي العام الغربي". متمنياً أن "ينتصر السلام وأن تعيش كل الفئات مع بعضها البعض. وهذا أبرز ما ينادي به الإرشاد الرسولي".
المطران عون: الإرشاد مسؤولية الجميع
راعي أبرشية جبيل المطران ميشال عون رأى أن زيارة البابا إلى لبنان جمعت كل اللبنانيين وتركت أثراً ايجابياً في نفوسهم (مسلمين ومسيحيين)، ولفت إلى أن التحضير للزيارة لم يأت صدفة، فالإرشاد الرسولي (كما قال) نتج بعد السينودس الذي عقد منذ سنتين، والذي كان مخصصاً لمسيحيي الشرق، فالمسيحيون يعانون من صعوبات سياسية في عدد من الدول، بالإضافة إلى الخوف الذي ينتابهم نتيجة الاصولية المستشرية، ما دفعهم إلى الهجرة إلى مناطق ودول أخرى.
وأضاف: أن اختيار الحبر الأعظم للبنان كان أيضاً بسبب دوره المحوري في كل الشرق خصوصاً على مستوى حوار الأديان والعيش معاً طالباً العمل للسلام وقد وضع عنواناً لزيارته من خلال الكلمات التي شدّد عليها "سلامي أعطيكم" موجهاً نداء إلى الجميع للعمل والبناء معاً. ولفت عون إلى أن مضمون كلام الحبر الأعظم يتوجه إلينا كمسيحيين كي نعيش رسالتنا رغم الصعوبات، وأن نمدّ يدنا للجميع كي نعيش كل هذه القيم مع بعضنا البعض.
وعبّر المطران عون عن تفاؤله الكبير لما قد تنتج عنه هذه الزيارة خلال الأيام والاشهر المقبلة، لافتاً إلى أن مسؤولية الإرشاد الرسولي تقع على عاتق الجميع واعتبر أن أولى الثمار بدأت تظهر حين دعا الرئيس ميشال سليمان الجميع مجدداً إلى الحوار، فلبنان هو رسالة تعايش وحوار بين الثقافات والأديان.
ولفت عون إلى أن زيارة البابا كانت أيضاً بمثابة نداء إلى كل القادة السياسيين في العالم لافتاً إلى أن أي حل للمشاكل التي تحصل في الشرق الأوسط يجب ألا تكون على حساب المسيحيين لأنهم جزء لا يتجزأ من هذا الشرق، فوجودهم ضروري وهو "رسالة"، ونحن نستطيع أن نكون ملح هذه الأرض.
وختم قائلاً: "لا يستطيع المسيحي أن يقوم بهذه الرسالة إلاّ إذا كان يتغذّى من كلمة الله، وحينها يتحمّل كل منّا مسؤولياته".
الحواط: المسيحيون شرارة الديموقراطية الأولى
أما رئيس بلدية جبيل زياد الحواط فقد وصف زيارة قداسة البابا بالتاريخية، لافتاً إلى أن المسيحيين هم شركاء أساسيون في الوطن، وقال: "نحن أقلية في العدد، لكننا أمّ الصبي، والتغيير الذي شهده العالم العربي بدأ من لبنان، وشرارة التغيير هذه انطلقت من قيادات الفريق المسيحي بشكل خاص.
وعبّر الحواط عن تفاؤله الكبير بعد الزيارة التي قام بها قداسته إلى لبنان، مشدّداً على ضرورة التواصل الدائم بين كل مكونات المجتمع (مسيحيين ومسلمين) وأن ذلك تجلّى بشكل كبير أثناء الزيارة.
ولفت إلى أن لبنان المتنوع يبقى منارة لكل العالم العربي، وأن التنوع القائم يؤكد الاندماج التام في المجتمع الواحد. وتميّز لبنان يعود أيضاً إلى رمزية رئيسه المسيحي في كل الشرق الأوسط، معتبراً أن رئيس الجمهورية هو المؤتمن الأول على تطبيق الإرشاد الرسولي وعلى المسؤولين مساندته في ترجمته على الأرض.
وقال: "لقد تحدث البابا عن السلام والحرية والديموقراطية، وهذا ما يتميّز به لبنان خصوصاً في ما يتعلّق بضرورة تداول السلطة وقد بدأ العالم العربي يحذو حذونا في هذا الاتجاه، والإرشاد الرسولي يتحدث عن الحرية وعن مستقبل المسيحيين وضرورة تشبثهم في أرضهم ورفض الهجرة، فهم ليسوا مرتزقة بل انهم الشرارة الأولى لتحقيق الديموقراطية في لبنان وفي كل المنطقة. وقال: "لقد أعطت الزيارة المزيد من الأمل حول دورهم الريادي في العالم، لذلك أقول أن جبيل متفائلة جداً بعد الزيارة التي قام بها قداسته إلى لبنان ونتوقع ترجمة تدريجية للإرشاد الرسولي، وأدعو الجميع للعمل والتعاون في هذا الإطار".
الأب عنداري: الكل واعٍ لأهمية الحضور المسيحي
أما رئيس دير القنطش الأب الياس عنداري فقد اعتبر أن زيارة البابا إلى لبنان ثبتت الوجود المسيحي خصوصاً بعد الكلام الذي كثر في الآونة الأخيرة عن تضاؤل عدد المسيحيين في الشرق الأدنى، حيث بات يشكل عددهم في فلسطين مثلاً حوالى الـ10% بعد أن كان 85%.
ولمس الأب عنداري وعياً كبيراً من قبل كافة الأطراف في لبنان حول أهمية الحضور المسيحي وقال: "أتت زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر لتكرّس هذا الوعي، لافتاً إلى أن الجميع مقتنع أن هذا الحضور هو واجب وهو خير أيضاً متمنياً أن يكون هذا الوعي نهائياً وصادقاً.
واعتبر الأب عنداري أن الزيارة زرعت الطمأنينة في نفوس المسيحيين، لكن علينا أن نعمل لتحقيق الخير والسلام والمحبة. فوجودنا حاجة لشركائنا في الوطن كما هو عنصر تلاق بين الجميع، وقد تحدث الإرشاد الرسولي عن ضرورة التلاقي واحترام الفئات الأخرى ليس بداعي الخوف بل لأن المسيحي ان لم يطبّق ذلك يكون قد خالف رسالته الداعية إلى التلاقي والمحبة وعدم التجريح بالآخرين.
وقال الأب عنداري: "لقد أتى البابا إلى لبنان ولم يحمل معه إلاّ السلام والكلام الجميل، داعياً إلى المحبة، فهذا الرجل العظيم الذي يتمتع بمسؤوليات عظيمة وهي الأكبر في العالم بهر الجميع بتواضعه وخفره وحسن تصرّفه فكان محط تقدير واعجاب من قبل الجميع دون استثناء، وهذا خلق أجواء ايجابية، لكن العمل يتوجب علينا في الأيام المقبلة، وتطبيق الإرشاد الرسولي يتطلب بعض الوقت، لكننا في الطريق الصحيح، وزيارة قداسته لم تترك لدينا سوى الأمل بغدٍ مشرق.
واعتبر عنداري أن لبنان كان وما زال يشكل عائلة واحدة غنية بتنوعها وعقائدها الدينية وأجمل ما في لبنان هو حرية الانتماء الديني وحرية الانتماء الفكري وهذا يدل على أرقى علامات التطوّر في العالم خصوصاً حين أقبل واعترف بالآخر. وختم الأب الياس عنداري قائلاً: "نحن مرتاحون ومطمئنون وعلينا متابعة العمل من أجل تحقيق السلام وأن نبقى عنواناً ونموذجاً للتنوع ولبلد "الرسالة".