#dfp #adsense

انه تخريب مجتمع وليس مجرد فلتان أمني!

حجم الخط

من شأن الأحداث الأمنية الأخيرة، خطفا وابتزازا وفدية مالية ونهبا للمصارف الخ…، أن تكشف ما طالما حذر منه بعض اللبنانيين بينما كان بعضهم الآخر يكابر في انكاره: خطف الدولة لحساب "الدويلة"، ولكن ليس أمنياً فقط بل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا أيضا.

والأمر ذاته ينطبق كذلك على ما يسمى "الاستراتيجية الوطنية للدفاع"، التي هي بدورها عملية خطف بينة المعالم، وان كانت أدواتها المماطلة والتسويف واللعب على الوقت منذ بدأ الحديث عنها ربيع العام 2006. كذلك هو الحال بالنسبة لكل ما شهده لبنان بعد انتهاء مرحلة الوصاية السورية عليه، باعتبار أن النظام في دمشق يتحمل وزر ما سبق، ان في ما يتعلق بالحكم أو بالسياسة أو بالأمن أو بالاقتصاد أو حتى بالنسيج الاجتماعي بين مكوناته، وصولا الى الانتخابات النيابية التي لم تعترف "الدويلة" الخاطفة بنتائجها لا عمليا ولا حتى نظريا.

لكن ما يهم في حالتنا الراهنة هو الأمن بأشكاله الجديدة: خطف الناس على الهوية المالية، والهجمة الشاملة على البنوك والمؤسسات المالية والمحال التجارية، والاعلان في مؤتمرات صحافية عن تشكيل "الأجنحة العسكرية" للجمعيات العائلية ولجان الدفاع عن الزراعات الممنوعة والاتجار بها (وربما لاحقا تعاطيها)، فضلا عن خروج المسلحين الى الشوارع بمناسبة ومن دون مناسبة…مقنعين تارة، كما فعل أهل المعاطف السوداء عشية تشكيل الحكومة الحالية، وعراة من كل ما يستر عوراتهم تارة أخرى.

فلماذا وصل حال الدولة، وحال "الدويلة"، الى ما وصل اليه في هذه الفترة؟.

غني عن البيان، أن ما كان في لبنان في الأعوام الماضية كان محكوما بالطبيعة والمنطق بأن يبلغ ما بلغه أخيرا، لسبب واحد هو أن تغييب الدولة (ملح الأرض، كما يقال في الأمثال الشعبية) لا ينتج الا شريعة الغاب من جهة، وأن "الدويلة" تتناسل دويلات أخرى في صلبها أو على هامشها من جهة ثانية. وعمليا، فليس سوى واهم، أو مكابر، من يدعى أن الساحة اللبنانية عاشت غير هذا الواقع في العقود الماضية.
هل تغير شيء في هذا الواقع المزري؟.

يبدو جليا، برغم الانجازات التي حققها الجيش والقوى الأمنية في الأيام القليلة الماضية على مستوى تفكيك بعض الشبكات واعتقال بعض عناصرها وحتى استعادة أموال الفدية المدفوعة، أن تغيرا جوهريا لم يحدث على صعيد الواقع الفعلي على الأرض.

فليس في الجو الا ما يوصف لبنانيا (لا نظير في العالم كله لهذا الوصف) ب"رفع الغطاء السياسي"، ولكن بصورة آنية وربما موقتة حاليا، على خلفية ما وضعه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله تحت عنوان "الخروج على السيطرة… وأفهموها كما تشاؤون"، كما قال قبل أسابيع، فضلا عما تواجهه "الدويلة" من ارباكات في أكثر من مجال، ان لجهة ما تشهده سوريا ونظامها، أو ما يشهده النظام في ايران للسبب السوري ولأسباب أخرى تخصه، أو ما يعتمل سياسيا على مساحة المنطقة العربية من جهة ثانية.

بل ان البعض لا يكتم الحقيقة المرة بالنسبة للبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وطوائفهم…حقيقة أن ما قامت به القوى العسكرية والأمنية لم يكن ليتم لولا أن "الدويلة" قررت، لدواع وأسباب خاصة بها، أن تسمح بأن يحدث في المرحلة الحالية. ولذلك، فالقول بآنية الحدث وكونه موقتا انما يكتسب صدقية لا يجادل فيها من راقب ممارسات "الدويلة" ـ قوة الأمر الواقع بالقوة المسلحة ـ طيلة الفترة الماضية.
لكن هل تقف الأمور عند هذا الحد؟.

واقع الحال، أن ما يعانيه لبنان منذ سنوات يتجاوز ذلك (الفلتان الأمني، والتحرك الآني لكبح جماحه) الى ما هو أخطر بكثير: تخريب المجتمع، وليس الدولة ومؤسساتها وأجهزتها فقط.

فقضيته التي لم يعد أحد يشك فيها تتلخص في ما يأتي:

[ شيوع ثقافة القدرة على فعل أي شيء، وكل شيء، من دون رقيب أو حسيب لا بما يتفق مع القانون ولا حتى بما يتفق مع الاخلاق العامة، الى درجة أن معظم الذين اعتقلوا أو تتم ملاحقتهم من هؤلاء "الفاعلين" مطلوبون بعشرات وحتى بمئات مذكرات الاعتقال.

[الاستقواء على الدولة، وبالتالي على الآخرين، بدعوى عجز مؤسساتها وأجهزتها عن احقاق ما يعتبره البعض حقوقا مكتسبة له ولعشيرته القريبة والبعيدة،
[نشوء معازل أمنية، وتاليا اقتصادية (تجارة وصناعة وتبادل سلع مهربة أو مزورة) مع ما يفترضه ذلك من تنصيب أمراء لها ومعاونين وشبيحة، وبحيث لا يدخلها ويخرج منها في النهاية الا من اعتاد التعامل معها واعتادت التعاون والشراكة معه.

[نشر مظلة "المقاومة" وحماية سلاحها، تارة بعلم الجهة المعنية بهذا الشعار وتارة من دون علمها، حول هذه المعازل ومن فوقها، مع ما يقتضيه ذلك من كلام على قدسية الشعار من ناحية واتهامات بالخيانة ضد من يرفع أصبعه بالسؤال عن وجودها هناك (أو حتى عن وجودها أصلا) من ناحية أخرى.

هل تغير شيء في ذلك؟.

لا دليل الا على العكس، برغم كل ما يحكى عن الحركة الآنية والموقتة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل