يغلب على تصور الرئيس ميشال سليمان للاستراتيجية الدفاعية العامل "الواقعي" على "المبدئي" الصرف، وهو امر لم يكن مفاجئا اطلاقا في توقيته وظروفه. اذ يغدو اقرب الى وجهة نظر الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط الذي يطمح الى الاستيعاب التدريجي البعيد المدى للمقاومة بالجيش. ومفاد ذلك ان رئيس الجمهورية الذي يصعد مواقفه "الندية" تدريجا من كل انتهاك سوري او ايراني للسيادة اللبنانية، لا يمكنه ان يقيم حربا "ندية" دائرية في الذهاب ابعد مما ذهب اليه في تصوره لئلا يستثير لنفسه وللرئاسة وللبلاد أزمة غير محسوبة مع "حزب الله".
أما المفارقة التي يرتبها التعامل مع هذا التصور ومع عملية الحوار فتتمثل في تجميع رصيد لا يستهان به لمقاطع الجولات الاخيرة للحوار، أي الدكتور سمير جعجع، ليس على قاعدة المقاطعة وانما على مقياس الجدوى الفعلية لهذا الحوار حصرا. بطبيعة الحال لا يمتلك الرئيس سليمان الاطار الافضل من طاولة بعبدا لكي يضطلع بمهماته وواجباته الدستورية والسياسية في معضلة كهذه. لكن خلاصة تصوره تعود في النهاية الى تفويض "التوافق" بايجاد آلية لوضع المقاومة في امرة الجيش.
بذلك يكون الحوار بلغ ذروة اقراره، بان اللحظة التاريخية للحل لا تزال متأخرة جداً. ولعل توسيع اطار الحوار الى مسائل آنية ملحة، على ما جرى في الجولة الاخيرة، اثبت هذا البعد، اذ ان كيمياء ايجابية سرت في اوصاله حيال قضايا اقتصادية وامنية اكثر بكثير من أي كيمياء توافقية حيال سلاح "حزب الله".
هذا الواقع يظهر رئيس حزب "القوات اللبنانية"، بانه التزم صدقية ثابتة حيال مبدأ المقاطعة لجولات لن تفضي في احسن الاحوال الا الى آليات لتمديد الحوار.
ومع ان ذلك لا يبرر لجعجع مقاطعة هذا الاطار على طول الخط، ولا تجاهل مكامن متقدمة وايجابية في تصور رئيس الجمهورية، فان النظرة الى مقاطعته تضحي الآن بمثابة تثبيت نظرة صائبة الى ان "النيات الحسنة" وحدها لا تبدل شيئا في واقع سلاح "حزب الله".
وليس ادل على ذلك من ان حلفاء جعجع الذين يدركون هذا الواقع مثله يغدون الآن محرجين امام اعتراضاتهم حيال التصور الرئاسي، فيما بعض أعتى خصومه يقر جهرا بشكلية الحوار. وهو امر يكشف واقعا آخر ينصف الرئيس سليمان ولكنه لا يسهل مسعاه. فموجبات الرئيس تدفعه في اتجاه مسعى لتحقيق اختراق ما، لكن موجبات الواقع الاقليمي والداخلي لا تزال عصية ومبكرة للتجاوز ابعد من مجرد تبادل اوراق وافكار وطروحات "قيد الدرس"، حتى اشعار آخر.