الثغرة الأساسية في كل ما يطرح على طاولة الحوار بشأن الإستراتيجية الدفاعية يتعلّق بالعلاقات العسكرية والأمنية والاستخبارية لمنظمة "حزب الله" التي تتعاطى "المقاومة". هب أن "سلاح" هذه "المقاومة" يضع نفسه في كنف، أو تحت إمرة، أو حتى بتصرّف الدولة اللبنانية، أو الجيش اللبناني، وأنه يصل حتى إلى تفويض الحكومة اللبنانية، بسلطة تقرير الحرب والسلم، يبقى أن الموضوع من أساسه ليس هنا، لأنه يتعلّق في الدرجة الأولى بالعلاقات والصلات العسكرية والأمنية الخارجية لـ"حزب الله"، إذ ما نفع كل ما يمكن أن تتخذه طاولة الحوار من مقاربات وترتيبات، طالما أن "مملكة حزب الله" لا تقتصر على "دويلة داخل دولة" كما يقال في سياق مواجهتها، بل هي أيضاً "شبكة ممتدة إقليمياً". فأنّى للسلاح أن يكون بإمرة الدولة وجيشها من دون أن يكون للدولة كلمة في استيراده أو تصديره، وفي خارطة ممتدة من العمليات الخاصة ومن البعثات النوعية أيضاً، ومن نشاطات تتوسع لتشمل مدّ الحوثيين بالدعم في شمال اليمن، وإعانة الشبيحة على القمع الفظيع للشعب في سوريا، ومن قبلها التدرب الميداني في شوارع طهران لميليشيويين لبنانيين ملتحقين بميليشيات "الباسيج" وفي سياق القمع الدامي للثورة الخضراء عام 9.
فإذا كان المنطق الغالب على مقاربة آذار لورقة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بخصوص الاستراتيجية الدفاعية، هو منطق ينبني على المقارنة مع "اتفاق القاهرة" الذي اقتطع جزءاً من السيادة اللبنانية لمنظمة التحرير الفلسطينية مسهماً بذلك في فرط عقد السيادة ككل، وإذا كان أساس هذا المنطق رفض أن تقوم العلاقة بين كيانين معنويين ندّيين، أحدهما الدولة وثانيهما "المقاومة"، فإن كل هذا على أهميته، وصوابيته، يظل غير كاف. لأن هذه "المقاومة" وبخلاف الفدائيين الفلسطينيين أواخر ستينات القرن الفائت، لا تبحث عن منطقة قواعد آمنة تخليها الدولة لها، بل تبحث عن تطويق الدولة ككل وتحويلها إلى ما يشبه صورة "حزب الله"، وهذا الحزب لا يعمل فقط على الأرض اللبنانية بل توزعت أنشطته في السنوات القليلة الماضية بين إيران، العراق، مصر، اليمن، البحرين وسوريا، ناهيك عن نشاطه السري العالمي، والذي لا يمكن فصله عن واقعة أن حكومات عدة عبر العالم تدرجه على لوائح الإرهاب الدولي، لأسباب لا تتعلّق فقط بموقع الحزب من ضمن خارطة الصراع العربي – الاسرائيلي. وطبعاً، فإن انزلاق الحزب أكثر فأكثر في مستنقع حرب آل الأسد والشبيحة والباسدران على الشعب السوري الثائر تزيد من حدّة هذا الجانب.
لهان الأمر لو كان "حزب الله" دويلة داخل الدولة اللبنانية، أو على أنقاضها، أي لو كان ينازع من أجل أن يقرّ له بإقليم يسود فيه، لكن الواقع غير ذلك. إنه طبعاً، حزب له إقليمه الجغرافي بقاعاً وجنوباً وضاحية وجيوباً حيث السيطرة المطبقة له، وحزب يسعى إلى الوصل الأمني، فالحيوي، فالديموغرافي، بين أطراف إقليمه، ومن خلال ذلك يسعى إلى توسيع هذا الإقليم. لكنه أيضاً حزب يتمرّد على كل حصر جغرافي، ويتجاوز الحدود، وهذا كلّه لا حلّ له فقط من ضمن ترسيمة وضع إمرة السلاح في يد الدولة.
"حزب الله" هو في الآن نفسه دويلة داخل الدولة، وفوق الدولة، وخارج الدولة، وداخل دول أخرى، وامتداد لنظام حكم في دولتين أخريين. وكل ما يتم النقاش حوله حتى الآن في الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار يتعلّق بالجانب الأول فقط، وهذا غير كافٍ.
فقبل السؤال: "هل حزب الله مقاومة؟", وقبل السؤال: "هل للمقاومة كيان معنوي منفصل عن كيان الشعب اللبناني؟"، ثمة "داتا" تتصل بالسؤال البحت: ما هو "حزب الله" من حيث تركيبته؟ تنظيم مسلح يعمل على الأرض اللبنانية فقط، وسلاح هبط عليه لا نعرف كيف يستورد ويصدّر، ونفوذ إعلامي فقط في بلدان الجوار، أم نفوذ لوجستي، واستخباراتي، وعمليات خاصة، وأكثر؟
قبل البحث في العلاقة وشكلها بين الدولة وهذا الحزب المسلّح، لا بدّ من أن يطلب من الحزب أن يعرّف عن نفسه. حتى الآن هو يستثمر الطاولة للتعريف بغاياته ومقاصده، ويلهي الآخرين بكيفية التوفيق، في المجرّد بين هذه الغايات والمقاصد، وبين منطق الدولة وفكرة الدولة.
لكن هذا ليس بيت القصيد. قبل الشروع في البحث حول أهلية أو شرعية هذه المقاصد والغايات ينبغي استنطاق التركيبة نفسها. فإذا كانت تركيبة "غير داخلية"، وكانت بجناح داخلي وجناح خارجي، تصير مسألة تنظيم العلاقات بين هذه التركيبة وبين الدولة اللبنانية مسألة بالفعل .. عويصة.