كتب ريمون شاكر في صحيفة "الجمهورية":
«كل قانون انتخابي لا يؤمّن التمثيل الصحيح ولا يثبّت المناصفة الحقيقية بين المسيحيين والمسلمين هو مشروع فتنة».
لو عَرف "أينشتاين" أنّ نظرية النسبية ستُسبّب هذا الكمّ الهائل من الخلافات والاجتهادات والتفسيرات المتناقضة، وسيستغلّ عنوانها وبريقها بعض السياسيين لأغراضهم ومصالحهم الشخصية، لَغيّر التسمية وبدّل العنوان، ولكن طبعاً من دون أن يغيّر في نظريته.
إنّ ثبوت المقاييس والأبعاد في الكون عند "أينشتاين" لا وجود له، حسب نظرية النسبية. وكثيرٌ من الأمور المُسلَّم بها فـي حياتنا، والتي نعتبرها مُطلقة، تُصبح نسبية في عالم النسبية، هذا في علم الفيزياء والأبعاد والكون. أمّا في عِلم الانتخابات فالوضع يختلف، وحسابات النسبية تختلف.
إنّ فكرة الانتخابات بنظام القائمة النسبية، هي التصويت على البرامج والأحزاب، وليس على الأشخاص. ويُعتبر قانون النسبية نظاماً انتخابياً يقوم على التنافس الحر بين لوائح أو تكتلات سياسية مختلفة فـي دوائر انتخابية كبرى، بحيث تفوز كل لائحة بعدد من المقاعد النيابية مساوٍ للنسبة المئوية التي تنالها من مجموع عدد المقترعين…
وتعتبر معظم دول العالم، التي تتنافس فيها الأحزاب على مبادئ وبرامج، أنّ النظام النسبي هو أفضل وأعدل الأنظمة الانتخابية، بحيث تتمثّل من خلاله، كلّ التيارات والأحزاب السياسية المتنافسة، وكلّ شرائح المجتمع بالنسب التي تحصل عليها فـي الانتخابات، فلا يهيمن فريق على آخر، ولا يحرم فريق نال عدداً مقبولاً من الأصوات من المشاركة في الحياة السياسية. وفي النتيجة، يفوز كلّ فريق بعدد من المقاعد حسب النسب التي نالتها لائحته، وبأولويات الأسماء التي قدّمها.
ويُعتبر نظام النسبية التعبير الأفضل عن الهيئة الناخبة، في حال توافر قوى سياسية حزبية تخوض الانتخابات متنافسة على جمهور من الناخبين مقسّم على أساس حزبي، لا على أساس طائفي أو مذهبي. وفي دول ومجتمعات مثل لبنان الذي يعتمد الديموقراطية الطائفية نظاماً سياسياً، وتجري الانتخابات، ترشيحاً واقتراعاً، بناءً على التوزيع الطائفي والمناطقي للمقاعد النيابية، فإنّه من الصعب لا بل من المستحيل تطبيق النظام النسبي قبل الوصول إلى دولة مدنية علمانية لا طائفية.
أهمّ سلبيات القانون النسبي هي:
1 – فرض التعاون والائتلاف بين الفرقاء الفائزين في الانتخابات، فـي حال لا يمتلك الفريق الرابح أكثرية تخوّله تشكيل الحكومة والحكم. فنظام التمثيل النسبي قلّما استطاع تحقيق أغلبية ثابتة داخل المجلس النيابي، فتفقد الحكومة فعاليتها وقدرتها وثباتها.
2 – الوصول إلى أزمة حكم، في حال رفض الناجحون فـي الانتخابات، الذين لا يملكون أكثرية تخوّلهم الحكم التعاون مع بعضهم.
3 – صعوبة تطبيق النسبية في ظلّ التقسيمات المذهبية المعتمدة حالياً في لبنان، وفي غياب الأحزاب الوطنية اللاطائفية.
4 – صعوبة فرز أصوات الناخبين، وفقاً للفرز النسبي والتمثيل الطائفي.
5 – صعوبة تطبيق المادة 24 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أنّ "التمثيل النيابي يكون بالتساوي بين المسيحيين والـمسلمين ونسبياً بين طوائف كلّ من الفئتين، ونسبياً بين المناطق".
6 – لا يؤمّن المناصفة الحقيقية للتمثيل الطائفي، ولا يُزيل ولا يُعالج نتائج الخلل الديموغرافي الموجود في لبنان بين المسلمين والمسيحيين.
والسؤال الذي يطرحه كلّ عاقل: "إذا كان نظام الانتخابات بالقائمة النسبية، أكثر ديموقراطية وعدالة من نظام الانتخابات على أساس الفردية، فلماذا لم تأخذ به أعرق الديموقراطيات في العالم حتى الآن؟ لماذا لم تأخذ به بريطانيا، ولا فرنسا، ولا أميركا، ولا الهند ولا كندا؟ مع العلم أنّ مشكلة التمثيل الطائفي والمذهبي غير موجودة في هذه البلدان؟
في النهاية، كل دولة تحتاج نظاماً انتخابياً يناسب تركيبتها العرقية والطائفية والثقافية، والمرحلة التي تمرّ بها من تطوّرها السياسي والاجتماعي.
لذلك، لا يمكن القول إنّ نظاماً انتخابياً بعينه هو الأفضل على الإطلاق، لأنّ النظام الانتخابي الذي يلائم فرنسا أو أميركا أو مصر قد لا يلائم لبنان، والنظام الذي يلائم لبنان اليوم، قد لا يناسبه بالضرورة غداً، وكما أنّ النظام النسبي له حسنات وسيئات، كذلك فإنّ النظام الأكثري والنظام الفردي لهما حسنات وسيئات. المهمّ، وقبل كل شيء، أن لا تشعر أيّ فئة من مكوّنات المجتمع بالغبن، وأن يأتي تمثيلها صحيحاً كما حدّده الدستور.
فهل أنّ القانون الجديد المُقترح لا يُسبّب الغبن والظلم لفئة كبيرة من اللبنانيين؟ وهل سيَسمح هذا القانون للمسيحيين أن يتمثّلوا تمثيلاً صحيحاً حسب ما حدّده الدستور، وأن ينتخبوا 64 نائباً بإرادتهم؟
مشروع تقسيم الدوائر الانتخابية
قبل الاستقلال، وبعده، وحتى عام 2005، لم يكن هناك أيّ مشكلة بين المسيحي والشيعي، بل كانت المشكلة دوماً بين المسيحي والدرزي، وبين المسيحي والسنّي، وخصوصاً الفلسطيني.
ولكن، بعد عام 2005، وبعد خروج الجيش السوري من لبنان، أصبحت المشكلة مع سلاح "حزب الله" الذي حلّ محلّ الجيش السوري، فهَيمن على مفاصل الدولة ومنعها من بسط سلطتها على كامل أراضيها، فكثُرت المربعات المذهبية والأمنية، وانتشر السلاح في كلّ مكان حتى أصبح لكلّ عشيرة جيشها و"جناحها العسكري" تهدّد بهما الدولة والناس والطرقات والاقتصاد وحتى الدول المجاورة… وقد تبع "حزبَ الله" الشعبُ الشيعيُ بأكثريته الساحقة، بسبب المال والسلاح والسطوة والتعصّب المذهبي المتجذّر فـي عقول جميع اللبنانيين من دون استثناء…
وجاء اليوم مشروع قانون الانتخابات النيابية والتقسيم المُقترَح للدوائر الانتخابية، على قياس "حزب الله" والمتحالفين معه، ليكرّس هيمنة الحزب على كل المفاصل الانتخابية والسياسية.
ماذا فعلوا بالدوائر حسب مشروع القانون الجديد؟
لقد قسّموا المحافظات الخمس إلى 13 دائرة على الشكل الآتي: ( راجع الجدول )
وهكذا، سيكون لكل الطوائف اللبنانية دوائرها ونفوذها حيث تنتخب كل طائفة من يمثلها أفضل تمثيل، ما عدا الطائفة المسيحية التي لن يكون لها أي رأي في من يمثلها، لأنّ الدوائر الستّ الحاضرة فيها بأعداد كبيرة، وبسبب انقسام المسيحيين وتفتتهم وطموحهم "الزعماتي" والرئاسي ستقرّر عنهم بقية الطوائف وتنتخب لهم نوابهم فـي كل الدوائر.
الشيعة في 3 دوائر : الدائرة الأولى في بيروت، والدائرتان الأولى والثانية في جبل لبنان.
السنّة في دائرتين: الدائرة الأولى في البقاع (زحلة) والدائرة الثالثة فـي الشمال. والدروز في دائرة واحدة: الدائرة الثالثة في جبل لبنان (الشوف – عاليه).
إن مشروع الانتخابات النيابية الذي اقترحه وزير الداخلية مروان شربل، ووافق عليه مجلس الوزراء، جعل من "حزب الله" الناخب الأكبر والأعظم في معظم الدوائر، ممّا سيمكّنه من السيطرة على المجلس النيابي، ولاحقاً على رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء.
ما هو الحلّ؟
الحلّ هو بوضع قانون انتخابي جديد ومتطوّر يناسب المرحلة السياسية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان، ويتناسب مع تركيبته الطائفية والمذهبية والثقافية، فيؤمّن التمثيل الصحيح لكل فئات الشعب، ويحافظ على المناصفة العادلة التي كرّسها اتّفاق الطائف.
لقد جرّب اللبنانيون النظام الأكثري المستند على اللوائح الانتخابية والتي ضمّت خليطاً من الطوائف والمذاهب، وذلك، بقصد ترسيخ العيش المشترك وتحقيق الانصهار الوطني. ولكن، للأسف الشديد، لم تفرز نتائج الانتخابات سوى مزيد من التباعد والانقسام، فتعزّزت الطائفية وتجذّرت المذهبية وازداد الشعور بالغبن لدى الطوائف المسيحية بسبب تناقص أعدادها، وعدم قدرتها على اختيار ممثليها الحقيقيين، فجاءت صرخة الألم الأرثوذكسية عبر مشروع "اللقاء الأرثوذكسي" الانتخابي يفجّر قنبلة لا زالت أصداؤها تتردّد عند كل القبائل الخائفة على مصائرها.
على جميع السياسيين والمسؤولين وزعماء الأحزاب والقبائل، التخلّي عن أنانياتهم ومصالحهم الشخصية، والعمل بأقصى سرعة على مشروع انتخابي جديد يتّخذ من الدائرة الفردية ومن نظام "الصوت الواحد لمرشّح واحد"، (One person one vote)، منطلقاً لتبديد الهواجس ولمعالجة الغبن الذي أصاب وهمّش المسيحيين، ثمّ الانتقال بعدها، إلى إنشاء أحزاب وطنية لا طائفية تعبّد الطريق أمام الدولة المدنية العلمانية، وأمام النظام النسبي الصحيح بحيث تتنافس الأحزاب على برامجها وطموحاتها لا على طوائفها ومذاهبها. 
بيروت: دائرتان
الدائرة: عدد النواب
الأولى: دمجوا بيروت الأولى مع بيروت الثانية (سابقاً): أي دمجوا الأشرفية – الرميل والصيفي مع المدوّر والمرفأ والباشورة، حيث يوجد 30000 شيعي يقرّرون مصير الدائرة. 9
الثانية: رأس بيروت – دار المريسة – ميناء الحصن – زقاق البلاط – الـمزرعة – المصيطبة. حيث يوجد 40000 شيعي يؤثّرون تأثيراً ملحوظاً في الدائرة ولكن يقرّر مصيرها السنّة 159,000 ناخب. 10
الجنوب: دائرتان
الأولـى: صيدا – صور – الزهراني وجزين: أي دمجوا صور والزهراني مع صيدا وجزين ليصبح عدد الشيعة فـي هذه الدائرة 215000 شيعي يقرّرون مصير الدائرة. 12
الثانية: بنت جبيل – النبطية – مرجعيون – حاصبيا، 300000 شيعي يكتسحون الدائرة كلّها. 11
البقاع: 3 دوائر
الأولـى: زحلة : من أصل 160000 ناخب يوجد 42000 ناخب سنـّي و240000 ناخب شيعي. الشيعة يؤثّرون في المعركة تأثيراً كبيراً، ولكن السنّة يقرّرون مصير الدائرة. 7
الثانية: راشيا – البقاع الغربي : يوجد 18000 شيعي و58000 سنّي. الشيعة يؤثّرون جزئياً، ولكنّ السنّة يقرّرون مصير الدائرة. 6
الثالثة: بعلبك – الهرمل: 185000 شيعي يكتسحون الدائرة كلها. 10
الشمال: 3 دوائر
الأولـى: عكار – المنية – الضنّيه 228000 سنّي يكتسحون الدائرة. 10
الثانية: طرابلس: ستكون الـمعركة بين أقطاب السنّة: 158000 سنّي مع تأثير محدود جداً للعلويين 14,000 والـمسيحيين 22,000. 8
الثالثة: زغرتا – بشرّي – الكورة – البترون : يوجد تأثير ملحوظ للسنّة في هذه الدائرة (20000 ناخب) ولكن المعركة بين المسيحيين ستكون قاسية: 213000 مسيحي يتناتشون 10 مقاعد. 10
جبل لبنان: 3 دوائر
الأولـى: جبيل – كسروان: 16000 شيعي، هم الذين يقرّرون مصير الدائرة، لأنّ المعركة ستكون بين المسيحيين على "المنخار". 8
الثانية: بعبدا – الـمتن: 41000 شيعي، هم الذين يرجّحون الكفّة ويقرّرون مصير الدائرة. 14
الثالثة: الشوف – عاليه : 9000 شيعي سيكون لهم تأثير محدود، ولكن الذين يرجّحون الكفّة هم: الدروز 119000، والسنّة 53000. 13
المجموع 128