الواقع هو أنني على الرغم من قناعتي اليوم بأن أصل الخلاف المذهبي في الاسلام هو صراع على الحكم في أساسه، فقد تربيت منذ صغري على قناعة بأن الإمام علي كان الأحق بالخلافة من جميع مَن نافسه. فقد أهداني أحد أصدقاء العائلة بعد نيلي الشهادة الابتدائية مجموعة قصصية لجرجي زيدان كانت تحكي روايات عن عصر الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين في اطار قصصي جذاب مع ميل واضح للكاتب لأهل البيت وللطالبيين الذين أصبحوا لاحقاً شيعة الإمام علي.
أذكر انني أعدت قراءة هذه المجموعة عدة مرات وقد تأثرت بشكل كبير في ثلاثة أجزاء هي "عذراء قريش" وهي تروي مقتل الخليفة عثمان وموقعتي الجمل وصفين، و17 رمضان, وفيها رواية عن احداث الفتنة الكبرى ومقتل الامام علي بن أبي طالب، ولكنني أذكر أنني بكيت كثيراً عندما قرأت "غادة كربلاء" وفيها استفاض زيدان في شرحه مقتل الحسين بن علي.
باختصار، وبغض النظر عن الأسباب الماورائية التي وضعت لاحقاً لاسناد التشيّع، ومع تحفظي على الكثير من الإضافات الفقهية والشعائرية التي ادت الى تعميق الافتراق وتسعير الفتنة، فقد كنت أرى أن التشيّع في أساسه قام على مشروعيتين واضحتين، الأولى أخلاقية ترتكز على تميز الإمام علي في الصفات الحميدة والتقى والشجاعة والميل الدائم الى حقن الدماء. والثانية هي مظلومية الامام الحسين، والاحساس بالندم على عدم نصرته في محنته، مما شكل دافعاً للتكفير عن ذلك من خلال نصرة المظلومين والمستضعفين.
تأثير التشيُّع على الفكر الثوري
نصرة المظلوم والمستضعف هي ما دفعت الكثيرين من أبناء جيلي الى الانتساب الى الأحزاب اليسارية، وقد كنت أشعر أنا، من كنت اعتبر "ارنستو تشي غيفارا" مثلي الأعلى، بأن سيرة مقتله في غابات بوليفيا سنة 1967 على يد عملاء المخابرات الأميركية، نسخة حديثة عن كربلاء، وان لندون جونسون هو يزيد ثان. وقد ازدادت قناعاتي بهذه الافكار عندما قرأت شروحات المعلم علي شريعتي، وهو الشيعي بامتياز، بأنّ التشيع هو الاسلام الشعبي الملتزم بقضايا الناس والمستضعفين، في حين انه اعتبر ان التسنن هو اسلام الحكم والسلطة.
هذا بالضبط ما دفع الكثيرين منا، بعد سنوات من العقم اليساري، وبعد اليأس من امكانية "تثوير" المجتمع التقليدي السني، الى توسم الخير، لا بل التهليل بما أنجزه الاسلام الثوري الشيعي في ايران عندما عاد آية الله الخميني مظفراً يحمل معه تباشير فجر جديد في مواجهة الاستكبار ونصرة المستضعفين.
لم يكن احدنا يومها يعلم أو يأبه لمكونات مشروع ولاية الفقيه، فقد كان عالمنا يرزح تحت كاهلين، الأول هو الاسلام التقليدي، أي اسلام الحكم، الخائف من النزعات الثورية اليسارية، فاندفع في تحالفات غير محسوبة مع الولايات المتحدة الأميركية. والثاني هو الديكتاتوريات الثورية التي استولت على الحكم تحت شعارات الحرية والكرامة وفلسطين، مضافاً إليها بعض التعابير الاشتراكية والقومية المفككة والركيكة المضمون. وقد رضينا يومها بأن يسحق حقوقنا اي ديكتاتور طالما أنه "سيحرر فلسطين ويرمي المحتل في البحر".
ظهور الصفوية المتجددة
لقد كانت اذاً الآمال كبيرة الى ان أتت الصدمة الأولى عندما قام الخميني بالقضاء على حلفائه في الثورة في إيران من أحزاب وتنظيمات وأفراد فكان نصيبهم القتل أو السجن أو التهجير، وكثير ممن هاجروا تبعهم الحرس الثوري ليغتالهم حيثما وجدوا.
قلنا وقتها بسيطة، فكل حركة ثورية تحتاج لتطهير جبهتها الداخلية من المغامرين والحالمين والمنافسين وطبعاً "العملاء"، لتتفرغ لمواجهة "الأعداء". ومعظمنا كان يرى أن وجهة الخميني التالية ستكون فلسطين. إلى أن أتت الصدمة الثانية بعد تكشف وقائع ما سمّي "بإيران غيت" عندما اشترى نظام الولي الفقيه، عدو إسرائيل، أسلحة من إسرائيل ليحارب عدواً آخر لإسرائيل هو نظام صدام حسين!
فجأة، ومن دون سابق إنذار، خلع الخميني العباءة الإسلامية فظهرت العباءة الصفوية، أي عباءة السلطة البراغماتية التي لا تعير لا للأخلاق ولا لنصرة المظلوم أي اهتمام. وتذكرت ما قاله علي شريعتي عن أن الدولة الصفوية تحالفت مع أعداء الإسلام (ممالك أوروبا) لكي تواجه دولة تحارب الغرب تحت راية الإسلام وهي الامبراطورية العثمانية!
ومع أن إيران غيت كان من المفترض أن يكون فضيحة مدوية، ولكننا تجاوزنا هذه القضية على أساس إمكانية أنها "دسائس امبريالية صهيونية" هدفها التشويش على المناضلين وتفريقهم عن بعضهم.
الصدمة اللاحقة كانت في موقف ولاية الفقيه من الحربين الأميركيتين على العراق حيث كان موقف إيران مفعماً بالرياء والخبث. وبالطبع لم تواجه "الشيطان الأكبر" الذي كان قريباً من حدودها، ولم تدافع عن شعب مسلم آخر، بل تركت العراق يغرق في الموت والدمار إلى أن انقضّت عليه كالطير الذي يحوم فوق الجثث.
خيانة السيرة الحسينية
قد يكون ما قام به ربيب ولاية الفقيه حزب الله في لبنان على مدى السنوات الماضية مداراً للكثير من الجدال العقيم المفعم بالتهم والمؤامرات التي لم ولن تؤدي إلى أي تأثير على التعسكر السياسي والشعبي بين ما هو معروف بقوى الثامن من آذار وقوى 14 آذار.
ولكن، ومنذ انطلاق الثورة في سوريا فقد سقطت كل المعايير الكربلائية عند أصحاب مشروع ولاية الفقيه وعادت الأخلاق الصفوية لتكون السمة الاساسية والأصلية لهذا المشروع.
لقد كان الأولى أخلاقياً ليس الوقوف على الحياد، بل كان من واجب أصحاب هذا المشروع دعم ثوّار سوريا لدرجة المشاركة الميدانية في الدفاع عنهم.
بدل ذلك فإن القيادة الإيرانية ماضية في تشجيع النظام السوري على الاستمرار في المذبحة من خلال الدعم السياسي والعسكري والمادي، وهنا لن أدخل في الاتهامات المنطقية بأن حزب الله يشارك بشكل مباشر في عمليات الشبيحة، ويقال إن عشرات القتلى من هذا الحزب سقطوا في الأشهر الماضية في سوريا.
ولكن ما لا يمكن فهمه هو أن يؤكد أحمدي نجاد "رؤى الأمم" بأن المهدي عليه السلام سيتدخل لمنع سقوط بشار الأسد، يعني أن المهدي حفيد الحسين، ناصر المظلومين والمستضعفين سيدعم "يزيداً" جديداً من طغاة هذا العصر!
السقطة الثانية كانت وصف نصرالله لمن قتلوا في مكتب الأمن القومي في دمشق برفاق السلاح، يعني أن حلفاء "شمر بن ذي الجوشن" و"سنان بن أنس النخعي" جلادي الحسين هم رفاق سلاح من أخذ مشروعيته الأخلاقية من السيرة الحسينية!
بالطبع لم يصل أحد منهم إلى حد الوقاحة بالحديث عن الصفات الحميدة لحكم عائلة الأسد، وقد كان هناك الكثير من التلميحات عن "أخطاء" النظام السوري في إدارة سوريا والحاجة الملحة إلى الإصلاح. ولكن دفاع أبطال ولاية الفقيه على مختلف مستوياتهم كان يرتكز على كون نظام الأسد داعماً للمقاومة وجزء من منظومة الممانعة.
وهنا تبرز المفارقة، لقد كان الأولى على هذا الأساس لو أن الحسين عليه السلام استمع إلى نصائح محبيه بعدم الثورة على الخلافة الأموية تحت حجة أن إنجازات هذه الخلافة كانت أسطورية على صعيد الانتصارات العسكرية والسياسية وعلى صعيد بناء الدولة!
وهنا النفاق بعينه عندما نرى حكماً معروفاً بالفساد والظلم والقتل والإرهاب وفي الوقت نفسه لم يحقق إلا الهزائم على الصعيد العسكري، مع معرفة القاصي والداني بأقنية اتصاله مع المخابرات الأميركية وحكّام العدو، ومع ذلك تعتبر ثورة من يرفعون الشعارات الحسينية ضده "مؤامرة ضد الممانعة والمقاومة!".
إنها الخيانة الصفوية للسيرة الحسينية، رحم الله علي شريعتي فلو كان حياً ماذا كان سيقول في كل هذا؟