هي مواسم، الامن الممسوك وملاحقة المطلوبين. ولكل "موسم" أمني ثمن يُدفع. ومن الطبيعي في أي دولة أن يكون من يدفع ثمن الحفاظ على الأمن جنود وضباط المؤسسة العسكرية، وخصوصا حين يكون الأمن فالتاً! قبل 5 أعوام دفع أكثر من 170 ضابطا وعسكريا ضريبة محاربة الإرهاب والإرهابيين في مخيم نهر البارد فانتصر لبنان. بعدها سقط النقيب الطيار سامر حنا شهيد الأمن الفالت في "ضاحية" جزين في سجد، لينضم إليه بالأمس الرائد في استخبارات الجيش اللبناني عباس جمعة، متأثرا بجراحه التي اصيب بها في خلال محاولته ورفاقه في الضاحية الجنوبية، توقيف المطلوب حسن كركي من أبناء السلاح الفالت، "عنتر" الضاحية. لربما لو كان الجيش ضرب بيد من حديد يوم استشهاد سامر حنا، لكنا وفرنا دماء عباس جمعة، ولكنا وفرنا ربما كل مظاهر التسيب الأمني ونتائجه التي نعاينها هذه الأيام.
استشهد الرائد ونجا المجرم وانضم الى قافلة المطلوبين من العدالة في جمهورية الضاحية الغرّاء، إلا ان القوى الأمنية نجحت في توقيفه لاحقاً. دفع الرائد الثمن المنتظر والمتوقع، ضمن "كريزة" أمنية عالية الجودة، قامت بها القوى الامنية في عدد من المناطق اللبنانية، وأسفرت حتى الان عن تحرير مخطوفين والقاء القبض على شبكات وخلايا خطيرة. عظيم، لكن كم يدوم مفعول هذه "الكريزة"؟ وهل يجب أن يبقى الامن تحت وطأة كرايز مشابهة لم يتضح بعد لماذا تأخرت أو هي حصلت نتيجة طلب أو تمني من؟ وبين الكريزة واختها، لبنان تحوّل الى المكسيك او كولومبيا ثانية، عمليات خطف ومافيات وطلب فدية وأفلام بوليسية حيّة أبطالها مواطنون لا يريدون أن يكونوا بالاساس أبطالا، انما فقط مواطنين يتمتعون بحقهم البدائي الطبيعي بالامن وبالكرامة.
استشهد الرائد جمعة في وكر الامن المستعصي على الدولة في الضاحية الجنوبية، وبعد أيام من وعد كان أطلقه وزير الداخلية، بان عمليات الخطف ستنتهي بعد اسبوع، نجحت عمليتا تحرير لمخطوفين، عمليات أمنية نوعية من دون شك، مخطوف وحيد وهو باسيل الميس تمكّن من الافلات من خاطفيه، وهرب في الوعر لساعتين قبل وصوله الى دياره في بلدة مكسه البقاعية، وآخر علي منصور من بلدة غزة، اطلق بعد مفاوضات بين عائلته والخاطفين افضت الى دفع فدية بقيمة 600 الف دولار في مقابل اطلاقه! لكن ماذا عما تبقّى وعن الاتي الاعظم كما يبدو؟
هل توقفت الكريزة الامنية عند هذا الحد؟ ام لعل الاجهزة الامنية الان مشغولة بمعرفة مصير رصاصة هبطت من العدم، لتصيب سيارة غير مصفحة في موكب من 70 سيارة للنائب ميشال عون، تضاربت المعلومات حولها خصوصا بعدما رفض النائب عون الكشف على السيارة بحجة انها في مهمة؟ السيارة في مهمة رغم تعرضها لاطلاق النار وضمن موكب لشخصية العام وكل الاعوام وكل الاجيال ميشال عون؟! غريب. علما ان معلومات أفادت ان السيارة غير المصفحة، لم تتعرض للنار في صيدا كما ادعى عون وتلفزيونه البرتقالي، بل في الناعمة على الارجح؟! أيحتاج الامن هنا أيضا الى "كريزة" لايضاح كل هذا الالتباس غير المقبول؟ وطبعا لن نسأل عن محاولتي الاغتيال الجدّيتين التي طالت الدكتور سمير جعجع او النائب بطرس حرب، نحن نتناساهما، لكن والزمن زمن الخطف والترهيب نسأل، من التالي؟
من المخطوف المفترض السعيد الحظ المقبل؟ من الشهيد القريب وفي أي منطقة؟ متى تصاب الدولة بحمى الامن ولا تشفى منها أبدا، كي يبقى البلد ممسوكا بيد حارة تغلي فيها حمى الدفاع عن المواطنين وفقط المواطنين؟! أكثر من ذلك بعد، متى نصبح نحن المواطنين الامنين وحقوقنا، قضية الوطن الاولى والاخيرة، وليس القتلة والخاطفون والمدعون وخاطفو الوطن بامه وأبيه هم القضية؟! أم صار يلزم ومن الضروري وعاجلا، العودة الى المزارع المفتوحة وتأمين الامن الشخصي والذاتي والنفسي، وتنصيب لكل حي "ديك" يصدح باسمه ومرحبا وطن؟!
حتى لا تذهب دماء الرائد الشهيد عباس جمعة هدرا، وحتى لا تذهب دماء النقيب الجريح ريان الجردي هدرا وحتى لا يكون سامر حنا دخل طي النسيان وحتى… وحتى… على الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، أن يمسكا اليوم الأمن، كل الأمن في كل لبنان بيد من حديد وأن يضعا حدا نهائيا لكل السلاح الخارج عن سلطتهم أيا يكن عنوانه. بغير ذلك لن يقف الأمر عند الرائد الشهيد جمعة…
