كان من الطبيعي أن يتساوى الاهتمام بالحضور الديبلوماسي الروسي والصيني والإيراني، لمؤتمر «الإنقاذ الوطني» في سورية، مع سماح النظام بعقد هذا المؤتمر في قلب دمشق، وإعلان مكوناته أن التغيير والحل في سورية يتمان «بإسقاط النظام بكل رموزه ومرتكزاته».
بل ان هذا الحضور الثلاثي طغى على حضور ديبلوماسي لدول أخرى في المؤتمر وعلى قراراته، لأن منظميه أنفسهم، لا سيما هيئة التنسيق الوطني للتغيير، صرحوا بأنهم طلبوا من الدول الثلاث ضمان أمن المؤتمر وسماح النظام بعقده من دون التعرض لرموزه، كما حصل حين «خُطف» ثلاثة من رموزه قبل أيام.
وبصرف النظر عن السجال الدائر بين معارضي الداخل الذين تشكل منهم المؤتمر، وبين معارضي الخارج، ومهما كانت الاتهامات المتبادلة التي تكشف مرة أخرى ثغرة كبرى في قدرة معارضي النظام على التوحّد، لا بد من أن يلاحظ المرء بأن اضطرار النظام الى السماح بعقد هذا المؤتمر، مع ما خرج عنه، لم يكن ليحصل لولا التقدم الذي حققه معارضوه على الأرض وسيطرتهم عسكرياً على مزيد من المناطق، على رغم استمرار التوازن في ميزان القوى. وهو توازن قائم على أن الرئيس السوري بشار الأسد غير قادر على الحسم ضد المعارضة (بكل أشكالها) وأن الأخيرة غير قادرة بعد على إسقاطه، مع ما يرافق ذلك من مآس نتيجة إنكار الأسد لوجود ثورة وثوار ضده ولعمليات القتل المنهجي الذي يمارسه ضد شعبه.
وإذا كان الاستنتاج نفسه ينطبق على الرعاية الروسية – الصينية – الإيرانية للمؤتمر، لأنه لم يكن ممكناً للدول الثلاث أن تفعل ذلك لولا شعورها بأن نظام الأسد يخسر المزيد على الأرض وأن رقعة سيطرته تتآكل، فإن لتلك الرعاية وظيفة محددة في حلبة المداولات الدولية حول الأزمة السورية.
وعلى رغم أن الوثيقة السياسية الصادرة عن مؤتمر معارضة الداخل تبنت «وثيقة العهد» (اتفق عليها في القاهرة في 3 تموز/ يوليو) التي أقرتها أطياف معارضة الخارج والداخل والتي تنص على أن «الحل السياسي يبدأ بتنحية بشار الأسد ورموز السلطة ومحاسبة المتورطين منهم في قتل السوريين»، فإن موسكو وبكين وطهران تحتاج الى هذه اللهجة العالية لمعارضي الداخل، لتأخذ كل منها ما يناسبها من وثيقة المؤتمر ومنها وقف العنف فوراً من جانب النظام والتزام باقي أطراف المعارضة ذلك وقيام رقابة دولية وعربية على ذلك ومطالبة المبعوث الدولي العربي الأخضر الإبراهيمي بالدعوة الى مؤتمر دولي حول سورية للبحث في أفضل السبل السياسية للبدء بمرحلة انتقالية.
النقطة الأخيرة هي بيت القصيد بالنسبة الى موسكو وبكين وطهران، وهي الأهم في تبرير رعايتها للمؤتمر، والأرجح أنها مارست ضغوطاً على النظام كي يتيح عقد المؤتمر بسبب هذه النقطة بالذات متجاوزة إصرار مكوناته على إعطاء الأولوية لرحيل الأسد. فهي لم تغيّر موقفها الرافض لاعتبار تنحيه حجر الزاوية في الحل السياسي تارة بذريعة أن الشعب السوري هو الذي يفصل في الأمر كما تقول موسكو، وأخرى باعتبارها هذا المطلب «وهماً» كما تقول طهران (التي يتردد في بعض الأروقة الديبلوماسية أنها تتشدد في هذه المسألة الى درجة حديث مسؤوليها عن أن البديل هو ماهر الأسد).
هكذا يصبح «رفض التدخل الخارجي» في أدبيات الدول الثلاث وبعض المعارضة السورية، حيال الأزمة، شعاراً يناقض الدعوة الى عقد مؤتمر دولي مع رقابة دولية وعربية. وما يبرر هذا التناقض أن الدول الثلاث تسابق التطورات على الأرض التي تزيد إضعاف النظام، وتستبق بهذا الطرح الطروحات الغربية بإمكان رفع مستوى الدعم لـ «الجيش السوري الحر»، وتضع على الطاولة اقتراحاً مستنداً الى الداخل السوري، في مداولات نيويورك لمناسبة عقد الجمعية العمومية للأمم المتحدة والتي ستكون الأزمة السورية أساساً فيها، بين رؤساء الدول وفي مشاريع القرارات التي قد تُطرح.
وفضلاً عن أن فكرة المؤتمر الدولي هي توسيع لمؤتمر جنيف الذي عقد آخر حزيران (يونيو) الماضي والذي استبعدت عنه طهران (والسعودية)، فمن نافل القول إن عقد مؤتمر كهذا، يتطلب التمهيد له بتفاهمات أميركية – روسية وإيرانية – أميركية، إذا كانت الدول المعنية كافة تربط مواقفها من الأزمة السورية بالملفات العالقة بينها. كما أن جهداً دولياً بهذا المستوى يحجم المبادرة المصرية التي أفضت الى قيام مجموعة الاتصال الرباعية.
وفي الانتظار، بصرف النظر عن النية الحسنة عند معارضي الداخل في الدعوة الى وقف العنف فوراً، فإن الإجابة على المطلب أتت من الأسد نفسه حين التقى الإبراهيمي في 15 الجاري عندما قال له إن «المشكلة الحقيقية هي الخلط بين المحور السياسي وبين ما يحصل على الأرض». وهو ما يعني أنه يقبل بالحوار، بموازاة استمرار المعارك وعمليات القتل بلا هوادة. وهو سبق أن قال إنه سينتصر في الحرب عليه مهما كان الثمن.