"فيلم عوني طويل" دخل منذ يومين مسلسل محاولة إثارة الفتن والنعرات الطائفية المتجددة.. من دون أن ينجح العونيون حيث فشلت شبكة "سماحة-مملوك". "تفاجأ" الشعب اللبناني ببثّ خبر محاولة اغتيال رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون في صيدا، أثناء زيارته لجزّين..
لكن المفاجأة سرعان ما انطفأ وهجها حين دحضت المعلومات الأمنية والمشاهد التي سجّلتها الكاميرات المحاولة وأفرغتها من أي دليل! كذلك التحقيقات التي ينتظرها الجميع، نقضها واقع الساحة الصيداوية، إثر تضارب المعلومات التي نشرها مكتب عون عن مكان المحاولة.. فهل تمت قرب "مسجد الحاج بهاء الدين الحريري"؟ أم عند نهاية الأوتوستراد الشرقي لجهة الأولي؟ أم بين بقسطا والأولي؟ الجواب نفى خبر "عون مرّ من هنا"! وهكذا انتهت "الحزّورة".
كان ذلك الخبر "الفتّيشة" الأولى في الزيارة، بغضّ النظر عن الكلام الذي أطلقه عون في تصريحاته هناك.. ثم رمى أحد نوابه وهو نبيل نقولا "فتّيشة" أخرى من دون أن تنفجر، متّهما تيار "المستقبل" بالتورّط في محاولة الاغتيال. فلو سلّمنا جدلاً أن محاولة الاغتيال صحيحة، فلمَ لم يفكّر نقولا في تحذيرات السفيرة الأميركية لعون من الرابية، من أن حلفاءه يسعون الى اغتياله؟!
ويكاد يتشابه السيناريو المزعوم لمحاولة اغتيال عون بسيناريو "سماحة-مملوك" الذي أعدّ لاغتيال زيارة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لعكار وبثّ الفتنة.. أفشل فرع المعلومات المحاولة الثانية بينما "نكرت" المحاولة الأولى كل الكاميرات والأدلة. فالزفت الانتخابي الأسود الذي دشّنه الجنرال لم ينجح في "تبييض الوجه"، أو لمّ شمل النواب والشخصيات العونية في جزين.. كما لم ينجح في كسب عطف العونيين الذين أداروا ظهرهم لسياساته. إنها السياسة العددية التي يتّبعها الجنرال والتي تتناقض والمصداقية بعدما خسّرته نحو 30 بالمئة من أصوات ناخبيه.
الرواية البوليسية التي عجزت عن تأليفها الكاتبة الإنكليزية أغاتا كريستي، يتلهّى فيها اللبنانيون اليوم.. وهي بحاجة الى محقق خيالي يقرب في شخصيته شرلوك هولمز.. في جزين، نفض الجنرال عون الغبار عن خطّته الانتخابية للعام 2013، بعدما بات أكيداً من خسارته وواثقاً من أن المجلس النيابي لن يسير بمشروع قانون الحكومة التي فصّلت النسبية على مقاس سلاحها.
بالسلاح، يحتمي الجنرال ويحقق مآربه محاطاً بالفاسدين ومنادياً بالإصلاح والتغيير.. وبالسلاح أيضاً يزعم محاولة اغتياله. ليست الخطط الحربية بعيدة من عقلية الجنرال وهو الذي سبق وكان قائداً للجيش، فهل أدار "تكتيك" الدفاع والهجوم آنذاك بالطريقة نفسها لإدارته محاولة الاغتيال هذه؟ وإذا سلمنا جدلاً أن محاولة الاغتيال صحيحة، وهذا ما تثبته فقط التحقيقات، فهي ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها عون لهكذا محاولة.. وقد تمت في السابق على يد حلفائه اليوم. يبقى أن الرسالة الأهم التي على عون أن يتلقّفها أن سلاح حلفائه غير الشرعي "الفالت" في الشوارع وبين المنازل يهدد كل اللبنانيين خصوماً كانوا أو حلفاء!
"إنها رسالة للعماد عون، فمن يريد قتله سيضع له سيارة مفخخة ولن يستهدفه بطلق ناري.." يقول نائب رئيس مجلس الوزراء السابق اللواء عصام أبو جمرة, ويضيف: "بما أن عون كان في جزين والسيارة منفردة على مدخل صيدا، أُصيبت بالطلق الناري ولم يُصب من كان فيها بأذى، فإن أكثر ما يمكن قوله إنها رسالة".
ويرفض أبو جمرة أن "يتعرّض أي إنسان للأذى، خصوصاً أن بيني وبين الجنرال 50 سنة من الخدمة".. ويضيف: "في الواقع كان الجنرال في جزين أما السائقون فقد كانوا يجولون على الطريق للتعرّف عليها، وأنا أفضّل انتظار التحقيقات في كل محاولات الاغتيال". ويتابع متمنياً أن "لا تكون محاولة اغتيال إنما حادثة عادية"، مؤكداً أن "الشماتة اليوم لا تنفع".
ويعرب أبو جمرة عن أمله في أن "لا تُستغل هكذا أحداث سلباً أو إيجاباً، سواء من أصحاب العلاقة أو من الخصوم". ويعلّق "لسنا اليوم في معرض التذكير بأمور سبق ونبّهنا من وقوعها، أفضّل الاطلاع على التحقيقات حيث إن الجنرال كان في جزين أما الحادث فوقع في صيدا كذلك هناك اختلاف في التوقيت"، داعياً الى "عدم تضخيم الأمور قبل جلاء الحقيقة."
وردّاً على اتهام النائب نقولا لتيار "المستقبل" بمحاولة الاغتيال، يشير عضو المكتب السياسي في تيار "المستقبل" الدكتور مصطفى علوش إلى أنه "لا يمكن مقارنة عقل وكلام العماد ميشال عون بأي شخص عاقل لا في لبنان ولا في خارجه". وأؤكد أن "محاولة الاغتيال لأي شخص مرفوضة" متوجّهاً الى عون: "حمدالله على سلامتك"، ويتابع: "غير أن اتهام النائب نبيل نقولا تيار "المستقبل" قضية مضحكة خصوصاً أن المكان الافتراضي الذي وقعت فيه محاولة الاغتيال الافتراضية هو صيدا.. فكيف لتيار "المستقبل" أن يقوم بذلك ويتّهم نفسه بنفسه إذا كانت القصة تدور في صيدا وقرب جامع بهاء الدين الحريري؟
ويعلّق علّوش: "كان حريّ بعون أن يذهب الى مكان آخر ويتّهم جهة أخرى". وخلص الى أنه "بغض النظر على كل ذلك، فإذا كانت هناك فعلاً محاولة اغتيال للعماد ميشال عون فيجب أن يبحث عن رفاقه في معسكر الممانعة فقد يكون لسبب ما أصبح التخلّص منه ضرورة".
من جهته، يشرح مستشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبة قاطيشا الواقع بصفته رجل أمن سابقاً سائلاً: "ما هي المكونات التي تنفي أنها ليست محاولة اغتيال؟ ويجيب: "حادثة الاغتيال تتطلب إطلاق أكثر من رصاصة في الليل خصوصاً، وإطلاق النار لا يحدث في النهار أو الليل باتجاه سيارة زجاجها غير "مفيّم"، ولا تكون بإطلاق رصاصة فوق الدولاب وكأن القاتل لا يريد أن يؤذي الضحية، كما أن الاغتيالات لا تحصل في أمكنة مكشوفة، بالإضافة الى أن عون لم يعلم بها إلا حين كان في البترون ولم يكن حزيناً حيث إن تحركات جسده وطريقة كلامه لم تكن توحي بذلك".
ويرى قاطيشا أنها "لو كانت بالفعل محاولة اغتيال لكان عون حوّل السيارة والعناصر الذين كانوا فيها الى مخابرات الجيش أو فرع المعلومات للتحقق من كيفية وقوع الحادثة". ويوضح: "من خلال تصريح وزير الداخلية يتّضح أن الرصاصة موجودة لكن لمعرفة من أطلقها يكفي تحويل السيارة وعناصرها للتحقيق في فرع المعلومات وستتبيّن الحقيقة بعد ساعات قليلة".
ويخلص قاطيشا الى أنها "ليست محاولة اغتيال إنما أراها عملية استجداء للناس على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة، كما أن عون يُتقن دور الضحية وهو من قضى حياته السياسية لاعباً دور الضحية مبرّئاً نفسه من كل الاتهامات مستجدياً عطف الناس". ويعلّق: "الجنرال يغتال الوطن يومياً وكرامة الشعب"، ويشرح: "حين كان رئيساً للحكومة كانت سياسته ضدّ السوريين وضدّ الميليشيات، أما اليوم فهو مع السوريين ومع الميليشيا الوحيدة في لبنان.. فما هي هذه المفارقة العظيمة؟".
ويلفت قاطيشا إلى أن "عون بطبيعته يخاف كثيراً، وخلال أحاديثه يحكي عن كونه ضابطاً وأنه كان دائم التعرّض للخطر علماً أنه لم يختبر الخطر مرة في حياته، وأنا أعرفه جيداً ومعروف أنه يخاف، فلو كانت المحاولة جدية لكان غادر فوراً إلى الرابيه أو فقد وعيه لأيام".
ويختم قاطيشا القصة: "كان عون يريد أن يسهر في البترون فأخبروه أن إحدى سياراته تعرّضت لإطلاق نار.. أكد وزير الداخلية الخبر لكنه لا يعرف التفاصيل وفي داخله يعرف أن الحادثة "تركيبة"".