كتبت مي شدياق على أوراق صفحتها الثائرة على الفايسبوك: "ان انسى لا انسى سبع سنوات ولم أفهم بعد هذا الكره"… سبع سنوات مرّت على ذكرى تفجير مي ومحاولة اغتيالها. هذه محاولة اغتيال فعلية وجدية. لم تمت مي ذاك الـ 25 أيلول 2005. لم تمت كما كان يشتهي كثر. عادت الى الحياة ناقصة، ناقصة يدا ورجلا مع الكثير من الندوب.
عاشت مي ومات معنويا من حاول استشهادها، لكنهم عمليا ما زالوا على قيد الاجرام وبقوة وبعنف. أذكر وكانت بعد الـ "ال.بي.سي" ما زالت مؤسسة الاعلام والانسان، أذكر أروقة المؤسسة ذاك الصباح، خرجت مي من برنامجها "نهاركن سعيد"، لم نكن أصدقاء بعد، قالت لي متهكّمة" نيالك شو ضعيفة لو فيي نقّص من جسمي وأعطيك". ضحكت كثيرا وودعتها وخرجت. وبعد ساعات دوى الخبر وجُنّت المؤسسة، وجوه قاتمة مسكونة بالخوف على فراشتها. زميلات تبكين، زملاء غرقوا في صمت الرعب، دنيز رحمة فخري طلبت من الجميع على الهواء أن يصلّوا كثيرا لمي، دخلنا في جو الحداد قبل اعلان الموت الوشيك. تسّمرت أقلامنا، وقف الخبر عند دماء مي. تجمّدت المؤسسة، وقف الكل بانتظار اعلان الدوي الكبير، استشهاد مي… ولم يأت الخبر. وقف عند حدود الخطر، دخل مهزوما غرفة العناية الفائقة وما لبث أن خرج منتعشا ببعض أمل، الى ان عرفنا اليقين، مي لم تمت ولن تموت من الانفجار، ستعيش، كيف وما تبقّى منها، ما عدنا نسأل، المهم عرفنا انها ستعيش…وعاشت.
لا أعرف ماذا حلّ بتلك الرجل المبتورة ولا باليد المقطوعة عند المعصم، لا أعرف أين زُرعتا، لكني متأكدة ان هذه الاطراف التي أصبحت يتيمة الجسم، اذا غُرزت في أي وعر ستنبت ثورة خضراء، عاصفة هوجاء تجن فيها رياح الحق وملاحقة القاتل الى أقاصي الدنيا… وأعرف أكثر، أعرف ان مي عند كل صباح تتفقّد عفويا ما ينقص من جسمها، وعندما تتلمّس الفراغ تنتبه الى أن جسمها أصبح ناقصا، فتضحك. للمرارة وجوه غير الدمع والوجوم، البسمة وجهها الاخر، تبتسم مي وتلقي تحية الصباح على من قُطع منها عنوة، وعلى من قطّعوها أيضا، فقط لتخبرهم ان اليد والرجل والندوب والعمليات التي تجاوز عددها الثلاثين، كلها تلقي التحية على القاتل. تخبره كل يوم على مدار السنوات السبع، انها موجودة لتحرق وجوده، انها مستمرة لتنعي موته اليومي، انها صامدة لتصلبه على درب الحقيقة، هو لص الشمال، هو يموت وهي تحيا بالمسيح.
ظمطت مي. انتشلها مار شربل وأنقذ الوجه الجميل، والشعر الاشقر القصير الجذاب، ودكتورة الاعلام الانيقة التي تصرّ على الخاتم الماس ليزيّن اليد المزيفة. اليد المزيفة الخالية من الشرايين والاحساس فيها كل روح مي، ترفعها متباهية، ولو كان الالم يعصرها، ترفعها لتعلن للقاتل وللمهزوم فينا وللمتراجع منا، ان الحرية ليست رفاهية مكتسبة بالولادة، والوطن ليس فندقا ولا جسر عبور لاحلام شخصية، والاستقلال ليس ورقة يُتفاوض عليها، ثمن كل هذا من اللحم الحي، من شهيد، من جريح، من معوّق، من ثوار…كل هؤلاء هم مي ومن سبقها من شهداء ومن يرافقها من ثوار… باليد المقطوعة والقدم المبتورة كتبت مي حكاية وطن…
