الثلثاء الماضي قدمت الدكتورة كارن كينغ الى "المؤتمر الدولي للدراسات القبطية" في الفاتيكان، مطالعة حول قطعة أثرية من ورق البردي، تعود الى نحو السنة 350. وقد ورد في أحد سطورها المبهمة ان المسيح يتحدث عن زوجة. وهذه الاشارة الاولى الى الزواج المزعوم، في ما عدا رواية "شيفرة دافنشي"، التي أورد مؤلفها دان براون ان المسيح تزوج من مريم المجدلية.
ورقة البردي هذه تعود الى نحو السنة 350، أي بعد ثلاثة قرون من وضع الأناجيل. وترد في إنجيلي مرقس ومتى، إشارات الى أخوة المسيح وأخواته، الذين جاؤوا من الناصرة يزورونه في كفرناحوم. وفي تدوين الصلب يرِد ذكر المجدلية "وامرأة أخرى تدعى أيضاً مريم". ولكن لا ترد في أي مكان إشارة الى زوجة، قبل ورقة البردي، التي أكدت صحتها للمؤرخة كارن كينغ، من الجامعة العبرية في تل أبيب!
تنقض فكرة الزواج، فكرة الكنيسة نفسها. ومع ذلك لم تحترق روما احتجاجاً. لماذا؟ لأن أطروحة الدكتورة كينغ، على هزالها، سنداً وتعليلاً، لا تسخر من المسيح، أو من المسيحية. والنقاش حول الاكتشاف كان يدور بين علماء، لا بين سفهاء أو سوَقة.
قامت الحرائق وصار موت في المدن العربية، لأن الرديء الذي سمِّي "الفيلم المسيء" هو في الحقيقة إساءة مجردة جُعِلَت شريطاً سينمائياً رديئاً. ولا يتحمل المسؤولية شخص أو أشخاص فاقدون أي أهلية أو اعتبار، لكن الحدث يطرح مدى مسؤولية القانون الغربي (والدولي) في حماية الأديان والمعتقدات من الاعتداءات التي يمكن أن تؤدي الى خراب وأحقاد. فلتُترَك هذه المسائل للقانون كما تُركت له قضية إنكار الهولوكوست! ولن تفقد الحرية شيئاً من حقوقها. بل لعل سنّ قوانين لاحترام الأديان في الغرب، يؤدي الى فرض قوانين لاحترام المذاهب في الشرق، فلا تعود الفتن والحرائق، مِلك المجانين، والحاقدين، ورثة قرون الظلام على أنواعه.
العلم لا يخيف. إنما يخيف ادعاؤه، لا دُعاته. وهؤلاء يملأون المدوَّنات ملحاً على الجرح أو حفر جروح جديدة. وبالتساوي، فالإساءة التي يحدثها فيلم رخيص في كاليفورنيا، تبقى عابرة بالمقارنة بما يصدر عن حطّابي النار على أطراف المذاهب. هؤلاء مهمتهم توسيع الفتنة، وتعميق الحقد، والتأكد من ان الجهل لن يغيب.
يقول مفوض النهضة ومصباحها، طه حسين: "الجهل طاعون الشعوب، ومطية الشيطان، وباب الاستعمار، وأساس الخراب والدمار. الجهل هو المسؤول الأول والأخير عن حماقات التاريخ". بعض ردود الفعل على الشريط الرثّ، بكل المعاني، كانت في مستوى الحمق لا في مستوى الإيمان. يخشى الخالق على خلقه من أخطار الخفة: "فاصبِر، إن وعد الله حق، ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون" (سورة الروم). ولقد سميت "الجاهلية"، لأنها كانت عكس الاهتداء. قال عمرو بن كلثوم باسم قومه: "ألا لا يجهلن أحد علينا/ فنجهل فوق جهل الجاهلينا".
الخفة ليست من الايمان: "ولا تزر وازرة وزر أخرى". إذا ارتكب رسَّام دانماركي ارتكاباً، لا تتجه في تظاهرة لإحراق الأشرفية. ولا حتى لإحراق سفارة الدانمارك. فالمهمة الأولى للسفارة لم تعد تسويق منتجات المراعي والمزارع، بل صارت التأكد من ان الوئام والمساواة والهدوء، سوف تعم حياة الجالية الثانية في كوبنهاغن، المسلمين.
القاسم بين منتجي الفيلم المسيء ومخرجيه ومموليه، هو الجهل. مجموعة سوَقة بلا وعي. لا يُردَّ على هذا المستوى من التدهور الخلقي في الشارع، بل في البرلمانات وعبر الحكومات، التي لم تعد تمثل في أي حال، الناس، بل المشيئة الإلهية أيضاً.
الربيع العربي لم يحمل الرؤساء، بل من هم أكثر أهمية، المرشدين. ولم يحمل الدساتير بل التفاسير: هل الحق والأحقية للإخوان أم للسلف؟ للبابا أم للإمبراطور؟ يجب ألا ننسى ان الثورة الفرنسية كانت هي أيضاً من صنع العناية الإلهية. قال رجل على درج "التويليري": "لقد وفَّقتني العناية الإلهية الى قتل ثلاثة من الحرس السويسري، بيديّ المجردتين". لم تكن العناية شريكة في الثورة، بل في القتل أيضاً.
تتشابه الثورات: إما في ادعاء النسب الإلهي، واما في إنكاره والحلول مكانه، كما فعل الشيوعيون والملحدون. وتتشابه كذلك في تشخيص أعدائها: الموسيقى والغناء، مثلاً، عدو مشترك. منعت الشيوعية الجاز على أنه علامة أميركية إمبريالية. لكنه في الحقيقة كان علامة النضال الأفرو – أميركي ضد العبودية والإمبريالية. جمع الجاز حركة السود بقدر ما جمعهم مارتن لوثر كينغ. وعلى حرارة موسيقاه جمع كوامي نكروما رجال الاستقلال في ساحات أكرا: فليخرج الاستعمار يا كوامي. امنحنا زعامتك.
هل تهدم جملة مقطوعة، على ورقة بردي، مؤسسة عمرها ألفا عام؟ أم يهدم فيلم رديء، 1433 عاماً من الإسلام؟ سقط عشرون قتيلاً في باكستان خلال الاحتجاج على الشريط الرديء. سبعون عاماً من السلطة الشيوعية في الجمهوريات السوفياتية لم تستطع أن تهزم الكنيسة، أو الإسلام. شفيع بوتين الآن هو القديس فلاديمير، وليس فلاديمير لينين. انتصرت الأديان التي نقلها الى الناس الرعاة، من أطراف أور في العراق الى خراج مكة. والمسيح كان نجاراً في الناصرة. فعندما رآه الوفد القادم الى كفرناحوم يلقي عظته بهرهم حضوره فسألوه: ألست أنت النجار الذي نعرفه في بيت يوسف؟
بلى هو. وكان بشراً يتمتع بنسائم بحر الجليل أوائل الربيع. ولم يعط نفسه المعصومية بل ركع وغسل أقدام التلامذة وترك نفسه يُصلب. وفي الاحتفالات كان يصل على آتان. هكذا جاءت الأديان. المظاهر الدينية صنعت في ما بعد، من دمقس وأرجوان ورجال ذوي عصمة. أما ابن الإنسان فمنذ ان خرج من بيت يوسف في الناصرة، ظلّ بلا بيت، ينام عند الصيادين حوارييه، كما يقول أرنست رينان.
شكراً للسيد ألبرت إينشتاين، مرتين: الأولى، لأنه رفض قبول رئاسة دولة قائمة على احتلال أراضي الغير، والثانية لأنه اخترع قانون النسبية. ليس النسبية المعقدة في الفيزياء، بل النسبية المبسَّطة في الدنيا والحياة. فعندما نقول إننا نعيش بلا سقف، نعرف جميعاً ان هذا تعبير مجازي. ولكن عندما يقول ابن كالكوتا إنه بلا سقف، فهو يعني أنه وُلد على حصيرة فوق الرصيف، وإن دكان الحلاق الذي يذهب إليه، هو كرسي على الرصيف ومقص ومكنسة، وأن عنوانه الدائم هو الشارع الفلاني بين السينما وشجرة الكينا.
هل هذا "فيلم" وهل يستحق هذا النوع من "الأفلام" هذا الحجم من الردود، كأنما الإسلام دين خائف أبداً من كاتب هندي، أو رسام دانماركي، أو مجموعة سوَقة في كاليفورنيا. أو كأنما كرامة الإسلام عادت إليه بمجرد إحراق مطعم دجاج لبسطاء طرابلس، صاحبه مسلم من المدينة.
فلا يستخفنكم الذين لا يوقنون. لا تحرقوا مدن المسلمين لأن تافهاً أنتج فيلما تافهاً مع مجموعة تفهاء، وكان معداً لأن تشاهده فقط جمهرة من التافهين.
لا أعرف أين هي معركة الإسلام الحقيقية أو حروبه. لكنني أعرف أنها ليست في شوارع طرابلس أو كراتشي. هي أرفع من أي شارع في أي مكان. والإسلام ليس في حرب مع الرُعناء في الرسم والتفهاء في "السينما". وقد يكون عدوه الأكبر صراعُ المذاهب وحطّابو الفتن. وذلك الخطاب اللعين، المستعر الآن بين المسلمين. أمَّا مارق من هنا، وورقة بردي من هناك، فليسا أكثر مما هما: مارق من هنا وورقة بردي دسّها علماء يهود في حقيبة عالمة من هارفرد.
والغرابة هنا الظهور الدائم لأسماء الأقباط: أقباط الفيلم الرديء، وأقباط ورقة البردي، وأقباط إنجيل يهوذا الذي ظهر في مصر قبل نحو عامين وقيل يومها إن عمره أيضاً نحو 350 عاماً. وفيه إنصاف ليهوذا وليس للمسيح. انتهى يهوذا كاسم وبقي كصفة. واستعارة.