لم يسبق لجارتنا نجيبة أن تابعت أخبار الجنرال، لكنها فَعَلت فور قراءتها "خبراً عاجلاً" على شاشة إحدى محطات التلفزة مفاده أن "أحد مواكب العماد ميشال عون الوهمية تعرّض لإطلاق نار قرب جامع بهاء الدين الحريري في صيدا في طريق عودته من جزين". الخبر أذهل نجيبة فسمّرت عينيها على الشاشة تنتظر ما يستجدّ، قبل أن تنتقل الى محطة otv علّها تحصّل مزيداً من المعطيات.
فجأة بثّت المحطة "خبراً عاجلاً" آخر مفاده أن الجنرال سيتحدث بعد قليل. رفعت نجيبة الصوت عالياً وانتظرت.. متوقعة ظهور الجنرال من الرابية، قابعاً وراء مكتب آمن داخل المنزل، متجهّم الوجه، وهو يتلو وقائع محاولة الاغتيال، وإذ بالمحطة تنقل مباشرة وقائع عشاء أقامته هيئة "التيار الوطني الحر" في البترون، قبل أن تكتشف جارتنا أن الجنرال نفسه موجود هناك. فسألت نفسها: هل يعقل أن الجنرال تعرّض لمحاولة اغتيال ومن ثم توجه مباشرة الى مكان آخر للمشاركة في حفل عشاء؟
توجّه مقدّم البرنامج الى المنصّة والقى كلمة افتتاحية تطرّقت الى كل شيء إلا محاولة الاغتيال.. فأصيبت نجيبة بالذهول مرة أخرى، لكنها لم تقطع الأمل باعتبار أن الحديث عن هذا الموضوع ربما ترك للوزير جبران باسيل الذي اعتلى المنصّة. لكن الأخير أيضاً لم يأتِ على ذكر محاولة الاغتيال لا من قريب ولا من بعيد، رغم أنه استفاض بالكلام عن "إنجازاته" في البترون وعلى امتداد كل الوطن، منهمكاً باحتساب عدد المشاركين في العشاء، وقد بلغ 2600 شخص على حد قوله، فذُهلت نجيبة مرة ثالثة وسألت نفسها: أيعقل أن الجنرال تعرّض لمحاولة اغتيال في صيدا ثم انتقل الى البترون للمشاركة في حفل عشاء انتخابي (كاليوم الطويل الذي أمضاه في جزين)، ولم يتطرّق مقدّم البرنامج الى موضوع الاغتيال، ولا صهر الجنرال الذي نسي التعريج عليه وكأن شيئاً لم يكن؟!
عاد المقدّم الى المنصّة وقال "أصبح في الإمكان الآن القول الحمدلله عالسلامة دولة الرئيس"، من دون أن يفصح عن السبب، تاركاً للجنرال نفسه "كلمة السرّ". دُعي الجنرال الى المنبر فحافظ منظمّو الحفل على البرنامج كما هو: أغنية حماسية أطربت الآذان طالما استخدمت في المهرجانات الانتخابية. واثقُ الخطوة مشى الجنرال متوجهاً الى المنصّة. ابتسامته ملأت المكان. هدوؤه فاجأ نجيبة والحاضرين، فهم اعتادوا غضبه الذي كان يلازمه في كل المناسبات، فكم بالحري بعد محاولة اغتيال!؟
من دون مقدّمات، ذهب الجنرال الى بيت القصيد مطمئناً الحاضرين والغائبين: "إطمئنوا، أنا بخير بينكم وبصحة جيدة بعد الحادث الذي تعرّضنا له اليوم.. يريدون قتلنا لأننا عصينا على مجتمع فاسد مافيوي..". ثم استرسل بالهجوم على تيار "المستقبل" (المتّهم بمحاولة الاغتيال)؟
لم تنَمْ نجيبة تلك الليلة، لكنها لم تشارك زوجها مسعود الكوابيس التي حلّت عليها. في اليوم التالي فوجئت بـ"دفعة" جديدة من الأخبار حول محاولة الاغتيال لم يكن وقعها عليها أقل من الكوابيس: النار أطلقت على السيارة من كاتم للصوت (لأن أحداً من القوى الأمنية وأهل المدينة لم يسمع إطلاق النار)، مصدر الرصاصة يراوح بين ثلاثة اماكن حسب إفادة حراس الجنرال (لأن لا مصدر أصلاً لإطلاق النار).
وفي اليوم الثالث، استعصى النوم على نجيبة فـ"فشّت خلقها" بزوجها فأيقظته مشترطة عليه عدم النوم إلا بعد حلّ هذه الأحجية التي تضمّنها بيان مكتب العماد عون حول هذه "المحاولة": "بعلمي يا رجال إنو رصاصة واحدة وبكاتم للصوت"، وإذ بالبيان يتحدث عن "سماع صوت رشق ناري لثلاث طلقات". معقول يا رجّال ما هذه الفضيحة الفاقعة؟" التزم مسعود بعدم الردّ.
في اليوم الرابع، لم تَدَعْ نجيبة مسعوداً يهنَأ بالنوم بعدما استمعت الى نشرات الأخبار وهالها ما ردّده الجنرال على لسانه شخصياً، عندما قارن "محاولة اغتياله" المزعومة بمحاولتي اغتيال الدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب: "قمْ يا رجّال، دعني من نومِك الآن. أمعقول أن يدخل مرض الغيرة ملعب الخصومات السياسية الى درجة أن الجنرال يغار من خصومه ويسعى الى منافستهم حتى على الموت!!".
فلم يكن أمام مسعود سوى استعادة "فيلم" بطله قاضٍ لبناني أطلق النار على نفسه، قبل سنتين ونيّف، زاعماً أنه تعرّض لمحاولة اغتيال: "بتصير مع أحسن عائلات. القاضي كان "محشوراً" بملفّ فساد، والجنرال محشور اليوم بملف الانتخابات. خلّي قلبك كبير.. وخلّينا ننام".