#dfp #adsense

مي شدياق من رمز لبناني إلى رمزٍ إنساني عالمي

حجم الخط

مي.. «ستنبت يدك وساقك كما وردة من جديد»، قلتها لك، وأدرك أنها ليست وهم أمنية، لقد دخلنا عصر زراعة الأعضاء البديلة ومن نفس الخلايا الجينيّة لمن ينتظر انتقالها إلى جسده، قلوب وعيون وآذان، وكلى، ورئة، من كان يصدّق أننا سنشاهد بأعيننا كيف تزرع خلية العضو المطلوب ومتابعته ينمو باضطراد لينهي حقبة إنسانية من المآسي الطبيّة.

هاتفتها مساءً لأطمئن على «ميّوش الحبيبة»، وكما هي دائماً تشعر برأسها المرفوع وعزّة جراحها، هي الذكرى السابعة على محاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق، وهي المرة الأولى التي أدوّن فيها معاناتي الإنسانية القاهرة [العقليّة والروحية، والبدنية لاحقاً] ـ ولست أدري سبب هذا التدوين ـ لطالما أثارت محاولة اغتيال مي شدياق في داخلي أسئلة مروعة، أسئلة إيمانيّة، أسئلة إنسانيّة، والغارق في حيرة ما أصابها على رغم فشل محاولة اغتيالها قد لا يعقل حجم الخسائر التي خرجت بها، ظلّت تجربة مي عبر أعوام ثلاثة وأكثر تُكبّدني «تفكّراً» إيمانياً مريراً، بين حركاتي الإراديّة واللاإراديّة، طاردتني جراح مي وعذاباتها، ومن عجز عقلنا البشري أنّنا نفكّر أن استبعاد اليد اليسرى وتعطيلها عن العمل يُـماهي ما حدث لمي بعدما فقدت نصف يسراها، إلى أن اكتشفت مرة أن هذا التعطيل ليس أكثر من وهمِ محاكاة معرفة حجم الخسارة، فالمحاولة بدون ما يستتبعها من جراحات وآلام وحروق ، ألم يتجاوز أحياناً طاقة احتمال البشر.

عندما يُفاجئك حجم النّعم التي أنعم الله بها على خلقه، وكم أننا لا نحسن شكره عليها، بعد رقدة أيام طويلة في المستشفى في تشرين الثاني العام 2005 «كانت الشاشة تنقل وقائع ماراتون أركضوا لأجل حرية التعبير.. أركضوا لأجل مي شدياق»… وعندما وقفت تحت انسياب الماء على شعري اكتشفت كالمصعوقة: «ذاك الإحساس الذي نشعر به عندمل تتخلل أصابعنا شعرنا لتهيل عن رؤوسنا التعب.. حدّقتُ فوجدت أنّنا نحتاج إلى كلتا اليدين الاثنتين، أحنيتُ رأسي حزناً على يد مي، فما هالني وانخلع قلبي إلا لرؤية نفسي واقفة على قدمين اثنتين، كدتُ أختنق حزناً منذ أحسست حجم التفاصيل الإنسانية البسيطة التي افتقدتها مي في وقت لا ندرك فيه نحن كبشر حجم النعم العظام التي لا نحسن شكر المولى عليها»!!

في حال «مي»، كان الكلام الإيماني الأصعب الذي يحيك في صدور كثيرين: «لماذا نجت؟ والكلمة الأصعب: «لو ماتت لارتاحت»، بصدق أقول، شكلت مي شدياق ردّاً إلهيّاً صاعقاً للقتلة ـ والذين لحسن الحظ بتنا نعرفهم جيداً، وسنحتفل بذكرى حرية لبنان واستقلاله في 14 شباط المقبل وهم في القبور أو في الجحور أو في السجون ـ الردّ الصاعق في التصرف الإلهي بأعمار الخلق، بعدما كدنا نصدق جملة جميل السيد لميشال سماحة في سيارة متفجرات الإرهاب السوري المهدى إلى لبنان: «الأولوية لقتل جنبلاط»، مي كانت رداً إلهياً: «أنه هو الله الذي يُحيي ويُميت»، وأقول بصدق: حجم القتل الذي تتالى على قيادات لبنان زلزلني ونجاة ميّ أعادت إلي يقيناً ثابتاً صادقاً بالقدرة الإلهيّة.

تجرية مي شدياق الإنسانيّة، معايشتها لما استقر عليه حالها بعد التفجير الحارق الذي نجت منه، كيفيّة تصالحها مع ما لحق بها، كيفيّة مقاومتها وانتصارها على عجز خال كثيرون أنه سيُنهي حياتها، فإذا بها تتقدم الصفوف لتصبح رمزاً لصحافيي العالم المقاومين المناضلين…

أدعو الدكتورة مي شدياق، وأتمنى على ميّ الإنسانة أن تفتح صفحات هذه التجربة وتدوّنها في العمق، كلّ مقاومتها لجسدها ولعجز أريد له أن يلزمها منزلها فتحدته خارجة إلى الأفق الأسمى للتجربة، لن تكتمل رواية مي لتجربتها إلا بعد تدوينها الوجه السري لكل معاناتها الإنسانيّة كإنسان وكأنثى، هذا هو الجزء الثاني من التجربة وهو ما زال محجوباً عنّا، فمتى تفرج عنه مي شدياق ليكون حافزاً لكثيرين يقاومون «عجز أبدانهم» من دون أن يفقدوا عضواً منها، فهل ستفتح ميّ هذا الباب وتمدّ يد تنير درب كثيرين ، لتكون رمزاً إنسانياً عالمياً، لا رمزاً صحافياً عالمياً فقط؛ أتمنّى ذلك من كلّ قلبي… محبتي.. لعصفورة الشمس وزهرة الحرية وابتسامة استقلال لبنان السيد الحر المستقل.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل