قال الجنرال عون في آخر ظهور له: "الحكم معتّر والمسؤولون عميان والمصيبة كبيرة". وهذا يعني أنّ المكابرة التي لطالما توّجت تصريحاته، بالإضافة الى أسلوب الهروبة الى الأمام بالتطهّر من ذنب المسؤوليّة، باتا إجراءً باهتاً ورصيدا مفلساً في علم تقويم المواقف. ولعلّ الجنرال مال الى الحراك الإحترازي بتوجيه الإتّهامات الى غيره ممّن هم في السلطة، ليبعد عنه كأس تبرير استمراره مشاركا في ثلث الحاكمين، ومدعوما من نصف المتبقّين.
الجنرال منزعج بشدّة من أداء المسؤولين، يهاجمهم بتصريحات علنيّة، يفنّد هشاشتهم في التعاطي مع شؤون البلاد والعباد، يرشقهم بالصفات العابرة للعيوب، حتى يظنّ الناس بأنّ صراعا أهوج يندلع بين طرفين، ولن ينتهي حتماً بأعمال شغب وعنف، فهذه غير مرخّص لها من مهندس اللعبة أو الرّقيب الأعظم، والذي لا يسعى الى نزع فتيل المواجهة التي ترتدّ إيجابا على بروباغاندا الجنرال الذي يعمل، مشكوراً، لقلب نظام أداء السلطة.
هل يمكن اعتبار مواقف الجنرال إنتفاضة سلميّة يجري تزامنها مع المعاناة التي يعيشها المجتمع على أصعدة الإقتصاد وتدهور إمكانيّات العيش وضيق ذات اليد؟ إنتفاضة يمكن بل يجري استثمارها بالترويج لتماهي الجنرال مع مطالب الناس، وتحسّسه العميق لشكواهم، ودعوته أركان الحكم الى بذل المزيد من الجهود لتحقيق إنجازات تخفّف من أزمة المواطنين المحكومين بالجوع وانتفاء الخدمات الرسميّة وظلم المتخصخصين. وهذا يعني اتّهام الحكم بالتّقصير والعجز، أو بالأحرى إبراز صورة مشوّهة لمن في السلطة، يقابلها رسمٌ متلألئ لوزرائه الذين، وحدهم من دون الباقين، حقّقوا إنجازات سهّلت أمور الناس وقوّمت إعوجاجات المسؤولين العميان. أمّا أكثر الإنجازات الإصلاحيّة شهرة فهي: سهولة الإتّصالات وسرعتها، بحيث يقتضي، لإتمام مكالمة هاتفيّة واحدة، إعادة طلب الرّقم أكثر من ثلاث مرّات، أي دفع ثمن ثلاث مخابرات وأيضاً تعميم التيّار الكهربائي على مساحة الوطن أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، بواسطة صفقة البواخر "النّظيفة" وتراجع التموين بالطّاقة الى أقصر مدّة ممكنة منذ عقود. وكذلك، المشاريع المتجاوزة التي أنعشت القطاع السّياحي، فتدفّق الملايين من الزّائرين الى لبنان في موسم عجف هزيل يشبه نشاط الوزارة المعنيّة التي فشلت مفاوضاتها مع قاطعي الطّرق وخاطفي الأبرياء والملوّحين بالتفجير، فأضحت بين المخطوفين آخر من يسأل عنه. وحدّث ولا حرج عن إنجازات وزارة الثّقافة التي حافظت، بما أوتيت من عزم، على آثار بيروت العظيمة، فنقلت المرفأ الفينيقي والملعب الرّوماني من مكانيهما في العاصمة، وذلك للمحافظة عليهما من التّلف والأضرار، الى جبل النفايات والمطامر. وهذا قرار وزاريّ جريء ومتقدّم، نقل بيروت من التّاريخ الباهت الى المودرنيسم.
وبعد، إذا كان "الحكم معتّر" فهذه إدانة موصوفة لجميع من في الحكم. أمّا العميان الذين لا يشير إليهم الجنرال، فهم الذين يستمرّون، بالرّغم من الحجج الدّامغة على مسؤوليّته، في تصديق إذاعاته، حتى ليصدق فيهم، وهنا المصيبة الكبيرة، قول قائل: "إنّ الأحمق لن يصبح ذكيّا حتى لو حاول ألف مرّة".