لم يكد القيمون على السياسة في لبنان، سواء الذين اشتهروا بطول الباع في الفساد والافساد، او اثرياء الفساد الجدد، يتلقون خبر وجود ثروة نفطية غازية في بحر لبنان، حتى بدأوا بالتباري في التنظير لكيفية الوصول الى تلك الثروة واستغلالها كمورد مالي هائل يخرج لبنان من ازمته المالية المستفحلة. وفي مكان آخر، بدأ منظرو الدفاع عن لبنان رغما عنه في ربط مصير سلاحهم غير الشرعي بمهمة جديدة. لم يكتفوا بشماعة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقرى السبع وما بعدها، بل امتدت المهمة لتشمل الدفاع عن الثروة النفطية في عرض البحر. وسمعنا كلاما شبيها بما نسمعه يوميا عن الجنوب. وكان لافتا ان اغلب المتحدثين عن الثروة النفطية المقدرة بمليارات الامتار المكعبة من الغاز، انتموا الى فريق اراد الايحاء أن وجود البقعة الغنية بالثروة النفظية الغازية في معظمها قبالة الشاطئ الجنوبي للبنان معناه انها صارت بمثابة الامتداد الطبيعي لمنطقة نفوذ ثنائي قام على مزاوجة الفساد والبلطجة بالسلاح، فولد اوصياء على الثروة النفطية يتصدرون الجلبة، كاغراق الاعلام بمواقف من تحديد المياه الاقليمية، ومحاولة مصادرة المفاوضات مع الامم المتحدة حول موضوع تثبيت الحقوق اللبنانية، ووضع شروط تتعلق بالمساحة المتنازع عليها مع اسرائيل.
اكثر من ذلك، بدا كبار ممثلي الفسادين المالي والمسلح وكأنهم يديرون عملية تشكيل "هيئة ادارة قطاع البترول" ويمننون سائر اللبنانيين بقبولهم المبدئي بأن تكون الرئاسة مداورة بين ممثلي طوائف لبنان الست الكبار، وذلك بدل ان تكون من نصيب طائفة معينة. ومع ذلك لم ينقطع هذا الهجوم الكبير في الكواليس والاعلام، وهدفه فرض وصاية امر واقع على قطاع يقدر له ان يدر مليارات الدولارات على الخزينة اللبنانية.
في مطلق الاحوال، وفي انتظار ان تحسم مسألة تحديد المساحات البحرية، وبعد حل النزاع البحري مع اسرائيل عن طريق الامم المتحدة، سيكون من الصعوبة بمكان استقدام شركات عالمية للتنقيب، وخصوصا ان الشركات تفضل ألاّ تعمل في بيئات غير مستقرة وقابلة للاشتعال. ولبنان مصنف حتى اشعار آخر بأنه قابل لاهتزاز في اي وقت، اذا ما صدر قرار خارجي تقوم بتنفيذه القوة الداخلية الوحيدة القادرة على تفجير البلد داخليا ومع الخارج. ثم ان الازمة السورية مستمرة لأمد معين، واحتمالات توسعها نحو الجوار تضع لبنان في غرفة الانتظار.
ليس ثمة دولة في لبنان. والحكم بمجمله بيد "حزب الله"، والمؤسسات مهما ضمت عناصر كفية، غير قادرة على القيام بعملها بمعزل عن سيطرة الحزب وتحكّمه، فضلا عن انها عاجزة عن تحييد نفسها عن ملاحقة الفاسدين.
نقولها بكل صراحة: ما دام "حزب الله" لم يسلم سلاحه ليتحول حزبا سياسيا اجتماعيا اسوة بالقوى الاخرى، وما دام لم يسقط مشروع الحاق لبنان بمحور طهران – القرداحة، لن يكون نفط لبنان بمأمن، ولن يكون للاجيال اللبنانية المقبلة موعد مع ثروات لبنان المخبأة في البحر. لذلك افضل للبنان ان يبقى نفطه وغازه في البحر الى ان يتغير هذا الوضع المزري الذي نعيشه.