بات حكم بشار الاسد مُربكاً لدرجة تجلّت في عجزه عن تغطية تفتت "معارضة الداخل"، التي شكلت موافقتها على الحوار ودعواتها الى وقف العنف ورفض التدخل العسكري الخارجي ركيزته الاساسية للادعاء بأن ما تشهده البلاد ليس سوى مجرد "مؤامرة خارجية" تنفذها "مجموعات ارهابية". وبذلك خسر النظام آخر أدوات سعيه للعودة بسوريا الى ما قبل آذار 2011، وهي الفترة التي سقط خلالها اكثر من ثلاثين الف قتيل.
وبذلك شهدت دمشق الاحد "المؤتمر الوطني لانقاذ سوريا" الذي دعا الى "اسقاط النظام برموزه ومرتكزاته كافة" بالطرق السلمية وحمله مسؤولية عسكرة الثورة لأن "استراتيجية الحل الامني ـ العسكري التي انتهجها تسببت بتعميم العنف وخلقت بيئة ملائمة للعديد من الاجندات الخاصة". لكن هذا المؤتمر ورغم انعقاده برعاية روسية – ايرانية لم يضم كل اطياف المعارضين المقيمين في سوريا.
وأمس شهدت دمشق مؤتمراً ثانياً حمل اسم "مؤتمر المعارضة الوطنية" وشارك في اعماله عضوان من الحكومة الحالية: نائب رئيسها قدري جميل ووزير المصالحة الوطنية علي حيدر الى جانب احزاب تأسست بفعل قانون الاحزاب الجديد الذي اقرّ قبل اشهر. وقد رعته أسوة بـ"المؤتمر الوطني لإنقاذ سوريا" ايران وروسيا والصين، وهو انعقد لأن الداعين الى مؤتمر الاحد رفضوا مشاركة هؤلاء باعتبارهم ليسوا معارضين وانما يمثل ابرزهم النظام.
فرغم الرعاية الروسية والايرانية، التي توافق عليها المعارضة للمرة الاولى، هزّ النظام عصاه للمشاركين في المؤتمر الاول باعتقاله ثلاثة من قيادييه وهم عائدون من بكين حيث شاركوا في مباحثات عن حلول للازمة في بلادهم. وقد تكون ضغوط الرعاة الدوليين والاقليميين وراء موافقة النظام على عقد مؤتمر يطالب باسقاط رمزه الاساسي الى جانب سعيه الى تعزيز مقولته بالانفتاح على الحوار في اطار مواصلة مساعيه لتضليل المجتمع الدولي، اذ جدّد الاسد مؤخرا القول ان "الحوار مع المعارضة هو السبيل الوحيد لحل الازمة".
كما يسعى النظام عبر هذه المؤتمرات، وان بات معارضوها منقسمين كما معارضة الخارج، الى الاستفادة من الفترة المتبقية للانتخابات الاميركية التي ستجري بعد 37 يوما باعتبار هذا الاستحقاق استحقاقاً فاصلاً في الازمة السورية، سواء اعادت هذه الانتخابات الرئيس الحالي باراك أوباما او فاز فيها ميت رومني.
كما يستخدم الاسد الفترة الفاصلة عن هذا الاستحقاق للمبالغة في تصعيد العنف علّه ينجح في استعادة سيطرته خلالها، وهذا من الاسباب التي دفعته للقبول بالمؤتمر الاول. وتبشّر الرعاية الايرانية- الروسية لهذا المؤتمر خصوصا باحتمال تبلور اجماع حول الطريقة المناسبة لإنهاء نظام بشار الأسد. فالمرونة المستجدة في مواقف هاتين الدولتين تدل على خشيتهما من احتراق ورقة النظام بين ايديهما لان مكاسبها ستنخفض حكماً بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية وسط تساؤلات عن السقف الذي بامكانهما تحمله لمسؤولية الدم المهدور، خصوصا متى بات واضحا ان ما تشهده سوريا يهدد الامن والاستقرار الاقليميين.
من ناحية أخرى يبدو ان اختيار الامم المتحدة للاخضر الابراهيمي كمبعوثاً لها ليس اعتباطياً بل يساهم في التهيئة لما سيستجد بعد مطلع العام مع استتباب الادارة الاميركية الجديدة. فالابراهيمي من مهندسي "اتفاق الطائف" اللبناني الذي انهى الحرب الاهلية (1975- 1990)، وتحيط بمهمته مقولات عن مساع للحل عبر "طائف سوري" عرابته روسيا ويضمن فيه الجيش المرحلة الانتقالية اسوة بما شهدته مصر حتى لا يتكرر الخطأ الذي جرى في العراق عبر حلّ الجيش. لكن يبقى السؤال هل من طرف اقليمي قادر على رعاية "طائف سوري؟"، فالطائف اللبناني الذي اتى برعاية عربية ودولية تمّ التسليم برعاية سورية لتنفيذه.
وقد وصل الامر بدولة قطر الى المطالبة بلسان اميرها حمد بن خليفة آل ثاني من على منبر الجمعية العمومية للامم المتحدة بقوات ردع عربية رغم هزال الطرح في غياب طرف مؤهل للقيام به. فيما كان تركيز رئيس وزرائها وزير خارجيتها حمد بن جاسم في حديث صحافي على حلّ اكثر واقعية يعتمد على خطة بديلة توفر مناطق محمية محظورة على الطيران.
وتكرر الدول الاوروبية كما تركيا الرهان على ان تندرج الولايات المتحدة في ايجاد حلّ فعلّي بعد انتهاء انتخاباتها الرئاسية. وهو ما كرره مؤخرا وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ بقوله من الامم المتحدة ان أي تدخل عسكري في المنطقة يحتاج الى دعم كامل من الولايات المتحدة اذ لا يمكن لدول مثل بلاده او فرنسا القيام بتلك المهمة وحدها.
ومن غير المتوقع، إلا اذا حدثت انهيارات مفاجئة، ان يسقط النظام خلال هذه الفترة او ان يحسم معارضوه الوضع. لكن الطرفين سيصبحان منهكين اقتصادياً وعسكرياً بما يقلّل قدرتهما على فرض الشروط ويمهد الطريق للمرحلة الانتقالية المنتظرة، التي سيكون الاسد حكماً خارجها.