كثيرة هي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي يمرّ بها لبنان، وكثيرة هي العثرات التي واجهت هذه الحكومة، كما سابقاتها، بحيث تحوّل مصطلح "التركة الثقيلة" الذي أطلقه الرئيس سليم الحص عند تسلّمه رئاسة الحكومة الأولى في عهد الرئيس إميل لحّود لازمةً دائمة لكلّ الحكومات المتعاقبة.
ما من شك أنّ الملفات المتراكمة كثيرة وعديدة. وما من شك أيضاً أنّ غياب الإرادة السياسية، وتضارب المصالح وتدافعها، فاقمَ هذه المشاكل وجعل من توافر إمكانات جدّية لمعالجتها مسألة في غاية الصعوبة.
إذا كان من المسلّم به أنّ تحقيق النموّ الاقتصادي يتطلّب استقراراً سياسيّاً وأمنيّاً بالدرجة الأولى، وهو ما لم يكن متوافراً بصورة مستمرّة خصوصاً في الآونة الأخيرة مع ازدهار ثقافة إحراق الإطارات وقطع الطرقات وتنامي حوادث الخطف؛ إلّا أنّ إنجاز خطوات متلاحقة في المجال الاقتصادي مسألة ممكنة إذا توافرت النيّات السياسية والقرارات الحاسمة في هذا المجال.
لقد مرّت العديد من الدول حول العالم بحروب أهلية أسوةً بلبنان، واستطاعت بمعظمها تخطّي المصاعب الاقتصادية والمآسي التي تولّدت بفعل تلك الحروب، فلم تشهد أيّ منها انقطاعاً في التيار الكهربائي، على سبيل المثال، بعد عشرين عاماً من انتهاء النزاعات المسلحة!
إنّ مقاربة القوى السياسية للملفّات الاقتصادية من زاوية خلفيّاتها السياسية أو من ناحية مصالحها الفئوية يعيق إمكان تحقيق أيّ تقدّم حقيقي فيها، مع العلم أنّ المعاناة المعيشية تطاول مؤيّدي ومناصري كلّ الفرقاء، والفقر لا يميّز بين 8 و14 آذار، بل يمتدّ على مختلف الأراضي اللبنانية من دون استثناء.
من قال إنّ الإنماء المتوازن يفترض الإنفاق المتوازن؟ ومن قال إنّ حاجات المناطق والقرى والقطاعات تتطابق؟ ما الذي يحول دون أن يكون تنفيذ المشاريع الإنمائية وفق خطط علمية مدروسة؟ إنّها أسئلة برسم كلّ القوى السياسية قاطبةً.
لقد دار نقاش وسجال طويل يتّصل بملف سلسلة الرتب والرواتب، وهو لم يصل إلى خواتيمه السعيدة الآن. إنّ ما تتضمنه السلسلة هو حقّ مشروع للعاملين في القطاع العام والمعلّمين ولا يجوز التراجع عنه. إلّا أنّ تحصين هذه الخطوة وضمان نجاحها يكون من خلال السعي الجدّي إلى ربطها بتأمين الموارد المالية، لكي لا تتحوّل إلى بنود فارغة تُستغلّ سياسيّاً من هذا الطرف أو ذاك لتحقيق مكاسب شعبوية وتسجيل بطولات وهمية.
ليس ثمّة شيء أسهل من أن يستبسل هذا الفريق أو ذاك للمزايدة في تسجيل المواقف التي غالباً ما تلقى رواجاً شعبياً، وليس ثمّة شيء أسهل من أن ينبري هذا الطرف أو ذاك لتحقيق الانتصارات، ولو على حساب الدولة ووضعها الماليّ وحساسية واقع الخزينة. ولكن، المشاكل الاقتصادية والاجتماعية تستوجب مقاربات عقلانية، ترتكز إلى أرقام ومؤشّرات، إلى تحليلات واستنتاجات. إنّ ديمومة عمل جميع العاملين والموظفين مرتبطة بديمومة المؤسّسات واستمرار الدولة وبقاء قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها.
إنّ حال التكامل التي يمكن أن تتشكّل بين الدولة وأصحاب العمل والعمّال تصبّ في مصلحة الأطراف الثلاثة، ودائماً برعاية الدولة التي يفترض أن لا تتنازل عن وظيفتها الاجتماعية، وأيّ انكسار أو انهزام لأيّ من أطراف هذه المعادلة المثلثة يؤثر سلباً في الأطراف الأخرى.