من المفيد جداً ان يلجأ الكاتب، عند اوضاع معينة، الى الارقام والاحصاءات، لتظهر امامه المعطيات في شكل اوضح واكثر دقة، خصوصاً في اوضاعنا اليوم، حيث اخذت مشاريع القوانين الانتخابية، تشدّ اهتمام السياسيين والمواطنين على السواء، لما يمكن ان تتركه نتائج الانتخابات من تأثير على الحياة اليومية للناس، والمستقبل السياسي للوطن والدولة، وهذا التأثير قد يكون ايجابياً، ولكنه قد يكون ايضاً سلبياً، لذلك نشهد اليوم زحمة مشاريع قوانين مطروحة للبحث والمناقشة في اللجان النيابية وبعدها في الهيئة العامة، ويحاول كل فريق ان يسوّق مشروعه الانتخابي الذي يسمح له بامتلاك الاكثرية النيابية في المجلس النيابي المقبل، ما يجعله قادراً على اخذ حقه في الحكم وتنفيذ مشروعه، هذا اذا كانت الديموقراطية بعد الانتخابات المقبلة، تعيش افضل ايامها، وليست اسيرة عامل القوة والسلاح، من هذا المنطلق، يمكن بداية ان نعرّج بسرعة على مشروع القانون الذي اقرّته الحكومة واحالته على مجلس النواب، وهو مشروع يقسّم لبنان الى 12 دائرة انتخابية ويعتمد النظام النسبي في الاقتراع والنتائج، وقد بدا واضحاً ان هذا المشروع لن يكتب له الحياة، لأنه وضع وفصّل على قياس فريقين اثنين، هما حزب الله وحليفه التيار الوطني الحر، وبطبيعة الحال يستفيد منه بنسب متفاوتة الاحزاب والشخصيات المنضوية تحت لافتة 18 اذار، واللافت ان وزراء تكتل التغيير والاصلاح كان لهم دور كبير في اقرار هذا المشروع في مجلس الوزراء، خلافاً لتوجّه بكركي والرأي العام المسيحي، ولذلك عندما شعروا بأن هذا المشروع لن يمرّ لوقوف كتلة نواب «المستقبل» ونواب جبهة النضال الوطني ونواب جبهة القرار الديموقراطي، وبالطبع نواب القوى المسيحية في 14 اذار، ضده، سارعوا استدراكاً للامور، ومن قبيل المناورة المكشوفة، الى تقديم مشروع قانون يتناقض تماما مع مشروع الحكومة الذي وافقوا عليه، هو مشروع اللقاء الارثوذكسي الذي تم بحثه في اجتماع قيادات الموارنة في بكركي، ووافق عليه العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجيه، بعدما لمسا قبولا به من البطريرك الماروني بشاره الراعي وقيادات 14 اذار المسيحية، امّا لماذا اعادة احياء هذا المشروع، بعدما رفض من المسلمين جميعاً، ومن بعض المسيحيين ايضاً، فذلك يعود الى دراسة احصائية قيل انها كانت جاهزة لدعم تسويق المشروع الارثوذكسي لدى الحليف الشيعي في حال سقط مشروع الحكومة، تؤكد ان اعتماد النظام النسبي في المشروع الارثوذكسي سيعطى قوى 8 آذار اكثرية 65 نائبا في الحد الادنى وفق النتائج المقدرة الآتية: 32 نائباً مسيحياً، نائبان درزيان، نائبان علويان، سبعة نواب سنّة و22 نائباً شيعياً، في حين ان قوى 14 آذار ستحصل على 63 نائباً، بالتحالف مع النائب وليد جنبلاط، علماً بان عدد النواب المسيحيين اليوم في 14 آذار بالتحالف مع جنبلاط، هو 36 نائباً. اتى بهم قانون الستين رغم شيخوخته وسيئاته ودور الصوت المسلم في نجاح معظمهم.
* * *
يبقى مشروع الدوائر الصغرى والنظام الاكثري، الذي يعتبر في الجوهر، عملية تجديد وتحسين وتحديث لقانون الستين، مع الاخذ في الاعتبار التغيير الديموغرافي الكبير الذي ضرب البنية السكانية، وقلب موازين الاقلية والاكثرية، ولذلك فهو بعد رفض الطرح الارثوذكسي، يعتبر الاكثر انسجاماً مع الواقع اللبناني من جهة، والاكثر قرباً من روحية الطائف، من حيث المحافظة على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في عدد النواب والوزراء وموظفي الفئة الاولى، على الرغم من الخلل الديموغرافي، مع التمسك بالمشاركة وحفظ خصوصية جميع الاطراف والمذاهب في الحد المقبول، ويأتي ذلك عبر تقسيم الاقضية الكبيرة الى دوائر انتخابية صغيرة، تتجمع فيها اعداد من طائفة او مذهب معين، اكثر من الآخرين، لتصبح لاصواتهم قيمة اكبر، ومردود افضل، على صعيد النتائج. وهذه خطوة جيدة في الطريق السوّي نحو عيش مشترك، لا يمكن الحكم عليها منذ الآن، انما تبقى افضل الممكن في البحث الواقعي، عما يقرّب بين الفئات والطوائف.
في نهاية المطاف، ان النظام النسبي، هو الافضل على الاطلاق، لكن افضليته تتطلب شروطاً ما تزال حتى الساعة شبه مستحيلة، اهمها وابرزها، وطن، الدولة فيه هي السيّدة، الامن والاستقرار والسلام هي السائدة، النظام المدني واللاطائفية الكاملة هما عماد العيش المشترك.