بعدَ مسرحية "فيلم سوري طويل" التي بدأت فصولها في النِصف الأول من ثمانينات القرن الماضي ولم تَنته حتى اليوم، وهي بالطبع من تأليف وإخراج وبُطولة المُمَثل البارع ميشال عون، بَدأت فُصول مَسرحية جديدة إسمُها "شي فاشل"، وهي بالطبع لنفس المُبدع.
شي فاشل، وليسَ المَقصود هنا فَشَل عَملية الإغتيال المزعومة وإنّما فَشل محاولة كَسب العَطف الشعبي وشَدّ عَصَب العونيين الذين يُعانون من ضِياعٍ وتشرذُم لم يَعرِفوه في أوجّ زَمَن الإضطهاد أيامَ حكمِ النظامِ الأمني السوري اللبناني.
المسرَحية الجديدة بَدَأَت بخبر إطلاق نار على موكب مُفتَرض لعون في محاولة لإغتيالهِ لإزاحَتهِ من الطريق بسببِ نَظافةِ كَفّهِ ومُحاربتهِ للفساد، حسب قوله طبعاً.
أطلقنا إسم مسرحية على هذه الواقعة لأن الجنرال مَسرحيّ من الطراز الرفيع (بالاذن من مبدعي المسرح اللبنانيين)، فكُل يوم ثلثاء نُتابِع المسرحية الفُكاهية بَعد اجتماع التكتل، بالإضافة الى عروضاتٍ هزليةٍ تأتي حَسب الطلب وبناءً لتَسلسُل الحوادث. وبما أن الفَشلَ واضحٌ في التأليفِ والإخراج، فمنَ الضروري الإضاءَة على بعضِ الامورِ المُتعلقة بهذه العملية.
في الوقائع:
– محاولة الإغتيال حَصلت برصاصةٍ إختَرقت أسفلَ الباب الخلفي لجهةِ اليمين للسيارة الأولى للموكب، السيارة التي من المُفترض أن تكونَ سيارة استطلاع مع احتمال صفر أن تكون الشخصية موجودةٌ فيها.
– لا أحد من الشهود سمعَ صوتَ إطلاق نار ومكان إطلاق النار ما زال مجهولاً ولا أي دليل على حدوثه.
– بعدَ الإطلاعِ على مضمونِ كاميرات المراقبة في مكان "الحادث" من قِبَل الأجهزةِ الأمنيةِ، لم يَظهَر أي مرور لمواكب رسمية أو أمنية في ذلك الوقت.
– أحد نواب عون أكَدَ لضابط المعلومات مرّتين أن الحادث حَصَلَ خارج منطقة الجنوب.
– عون يقول أن الـ LBC هي أول مَن أذاع الخبر والـ LBC ترُدّ: "أوردنا الخبر نقلاً عن مكتَبِكُم".
في التحليل:
عملياتُ الإغتيال بالرصاص مُفتَرَض أن تكونَ على أهدافٍ واضحةٍ وظاهرةٍ للعين المُجردة مِمّا يُسَهّل عملية التَهديف المباشر على الشخص المستهدف. أما عمليات الإغتيال التي تَستَهدف المواكب السيارة وخاصَةً في لبنان، فهي تَحصُل بطريقة من إثنين، إمّا بكَمينٍ مُسلح تُستَعمل فيهِ كميةٌ كبيرةٌ منَ الأسلحة الرشاشة والصاروخية لتدمير الموكب وقتل من فيه، وهذه الطريقة صَعبة ومُعقّدة جداً وبذات الوقت إنكشاف فاعليها سهلٌ جداً. لذلك، الطريقةُ الأسهل والأكثر اعتماداً هي التفجير عَن بُعد بواسطة سيارة مُفخخة أو عُبوة ناسفة مزروعة على جانب الطريق. هذا إذا كان المنفذ أو المنفذون متأكِدون ومن دونِ أدنى شك بِوجودِ سيارة الشخصية – الهَدف داخِل الموكِب المُستهدف، وهذه حالُ جميع عمليات الإغتيال التي حَصلت في لبنان مُنذ أواخر سنة 2004 باستثناءِ عمليةِ إغتيال الشهيد بيار الجميل ألتي وبالرُغم من أن مَوكِبَهُ كان مؤلفاً من سيارةٍ واحدةٍ يقودُها بِنَفسِهِ ورُغمَ تَأكّد المجرمينَ المنفذينَ للعملية من ذلك جرّاءَ مُراقبتِهِم لهُ، فقد أمطروهُ بِوابلٍ من الرصاص ليتأكدوا من نجاح العملية وعدم ترك أي ثَغرة مُمكن أن تؤدي الى نجاته. فكيفَ إذا كانت السيارة مُصفّحة كسيارة الجنرال عون؟! وكيف إذا كان الموكبُ مؤلفاً من عدَّةِ سيارات؟! فأي أهبل يُمكنُ أن يَتجرأ ويطلق رصاصة على موكب مُدجّج بالسلاح؟! أيضاً وأيضاً، كيف لشخصٍ تَعرّض لعملية اغتيال أن يُكمِلَ طريقَهُ الى مهرجانٍ خِطابي وكأن شيئاً لم يكن وهو المشهور بِهُروبهِ السريع كالغزال عند اقتراب أي خطر؟
فيا جنرال، مع مرور السنين أصبحَ إخراجُكَ ضعيفٌ جدّاً، فلو أنك اليوم تُخرج مسرحيات حروب التحرير والإلغاء لما كانت إنطَلت على أحد كما حَصل سنة 1989 و1990، ولا مسرحية هروبِكَ الى السفارة الفرنسية ثمَّ الى باريس، ولا مسرحية الإتفاق الذي مهَّد لعَودَتِكَ في الـ 2005 كعودة بطل، ثم تحالفتَ معَ كُل حُلفاء سوريا في الإنتخابات النيابية، لقد سَقطَ قناعُكَ منذُ زَمَن ولَم يَبق أي شيء لِيَستُرَ عُيوبك. سنظلُ نُتابع مسرحيات الجنرال القادمة، على أمل أن لا يَطولَ الإنتظار لتأتي المسرحية الأخيرة: "ذهب مع الريح".