كانت احتفالية لافتة مميزة. الاحتفاء بالمحرر عوض ابراهيم. لوهلة ظننت ان الرجل كان على الجبهة. أي جبهة. الجولان مثلا؟ طبعا كلا.
تمتم عوض بضع كلمات، لكنها لم تكن ما توقّعه أهل المكان على الاقل، خصوصا في خلال الاتصال الهاتفي القصير الذي دار بينه والرئيس سعد الحريري حين هاتفه الاخير مهنئا بعودته، قال ابراهيم :" الله يسلمك شيخ سعد، حبيب قلبي إنت.. مش لأنو بهالمناسبة اليوم، أنا بحبك من زمان يا شيخ سعد.."، ورداً على كلام الرئيس الحريري، أجاب إبراهيم: "عندنا المخطوف عباس زغيب مريض بالقلب مركب روسّور، إعمل معروف شيخ سعد قد ما فيك ساعده، يخليلنا ياك"… اللافت أكثر كان تأثر المخطوف المحرر عوض ابراهيم بالخاطف المضيف "ابو ابراهيم"، حيث روى بعضا من فصول انسانيته لدرجة انه عندما عرف الاخير ان احد المخطوفين الضيوف يعشق الاركيلة، جلب له واحدة مع تبغ أجنبي، في حين كان الاخرون من مواطنيه يدخّنون التبغ الوطني!
طبعا كلام لا يتناسب وبيئة المكان وسياسته المعلنة. الضاحية تدعم نظام بشار الاسد، وتقاتل معه "لتحرير" سوريا من "الارهابيين"، بينما الارهابيون ما غيرهم، تحوّلوا الى مثال أعلى في الانسانية لدى مواطنين من الضاحية، وأكثر من ذلك، تحوّل الرئيس الحريري البعيد الاف الاميال عن أرض الوطن، تحوّل مع الجانب التركي، الى منقذ وطرف رئيس في التفاوض على اطلاق الاخرين، بدل أن يكون سيّد الضاحية هو المنقذ المنتظر!!! هي مفارقة من دون شك.
في العودة الى الاستقبال الحاشد. طبعا مع فرحنا الغامر لاطلاق عوض ابراهيم، والامنيات بتحرير التسعة المتبقين، ثمّة دمع مالح عالق، وأيضا دمع جاف لم يجد بعد من يحوّله حتى الى مجرد بسمة أمل، حول مئات وربما آلاف المعتقلين والمفقودين اللبنانيين في غياهب معتقلات النظام السوري. وينن يا ناس؟ وينن يا جماعة الخير والسلطة والحكم والعصابات والتحرير، واللاهثين خلف الكرامات المفقودة والمساحات المحتلة، ويا من تشقعون السلاح فوق السلاح لتحرروا وتنهبوا الارض استقلالا وعزة وبيارق…وينن؟!!
وقبل ساعات من عودة إبراهيم، ورد خبر خطير، من ضمن الاخبار الامنية الواردة من سوريا ومفاده وقوع "تفجيرات ضخمة قرب فرع فلسطين ذاك المعتقل السوري الشهير حيث سجن وربما يسجد الآن عشرات اللبنانيين المعتقلين في سوريا وعدد من السجون في سوريا". لم يتوقف أحد عند الخبر. لم يستوقف اذنا واحدة في صفوف آذان "كبار" المسؤولين في بلادي، تناسته دولة النسيان. عَبَر عنه وزير الخارجية… خارجية دمشق، وكأنه لم يرد أصلا، لم يسأل أحد من في هذه السجون؟ هل لنا فيها أعمار تُحرق؟ هل لنا من بينها أجساد تتعذب وتذوب في أسيد التناسي والتجاهل؟ هل لنا من بينها أبناء واباء صاروا كلهم كلهم شيوخا على مرّ مرارة السنين؟؟؟
طبعا نحن سعداء لاطلاق عوض ابراهيم ومن سبقه، والامل في من تبقى من المخطوفين، لكن ولم يمض على اختطافهم شهورا قليلة كادت البلاد تتحول الى نار ورماد، وحدها الحاجّة حياة كانت باصبعها تشير، فيقفل طريق المطار ولا من تجرأ على محاسبتها، هؤلاء المنقوعون تحت لهب الانتظار في نار الذعر واليأس أمام الاسكوا، ولم يقفلوا يوما لا طريقا ولا حتى بابا، متى نجيبهم؟ متى نقفل الطرق من أجلهم؟ متى، متى يا دولة القهر والعهر والتسيّب، متى تسألين سؤالا تافها بدهيا لتكسري مزراب الخجل من عيون الامهات، متى تسألين ذاك القابع في دمشق الدماء، أين أولادنا؟ أين ناسنا؟ فقط سؤال وليعودوا شهداء أو أحياء، ولن نبتهج لا في المطار ولا في أي مكان وان كان من حقنا أن نفعل، لكن لن نبتهج الا في بيوتنا وصلواتنا، حيث تسكن نعمة الصبر والرجاء وفرح الايمان.
