الى الرابية حجّ سفيرا سوريا وإيران في يومين متتاليين. التهاني بالسلامة في الواجهة "اللماعة"، فيما تغوص الأحاديث "الجانبية" في تفاصيل النظام السوري. علي عبدالكريم علي وغضنفر ركن أبادي فرحان لخلاص رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون من "محاولة الاغتيال" فأتت الزيارة تعبيراً عن تماسك خط الممانعة.
هما لم يفرحا إذاً لنجاة رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع والنائب بطرس حرب من محاولتي الاغتيال.. هذا أكيد. أما "تجربة" عون لمحاولة الاغتيال الفريدة من نوعها و"خبرته" في هذا المجال فتبعد كل الشبهات عن قوى الممانعة، وهو فرع منها، لتوجيه أصابع الاتهام الى "الأعداء الكثر" بحسب عون.
الأعداء يريدون قتل عون برصاصة أو ثلاث وفي مكان ما في صيدا.. أما الأحباب فلا يتمنّون له سوى السلامة، وهو ليس لديه ما يقدّمه سوى الطاعة والسكوت عن تجاوزاتهم و"القناعة" بأكبر عدد من الكراسي في المجلس النيابي.. من الرابية، برّأ السفير السوري نظامه وأكّد أنه باقٍ في لبنان. لم يبدّل علي خطابه في غياب وزير الخارجية عدنان منصور، فقد تتغيّر الشخصيات، غير أن أعضاء الخط الممانع لا يقدّمون أي جديد في مضمون كلامهم.
نسي الجنرال وقفته أمام الكونغرس الأميركي، نسي حروبه "الدونكيشوتية" ضدّ سوريا وارتضى بأن يكون علي عبدالكريم علي ضيفه.. إذاً، فالجنرال راضٍ عن "أداء" النظام السوري على الحدود، ولا يجد في خطف جنود لبنانيين إهانة أو استضعافاً للقوى الأمنية اللبنانية أو خرقاً للسيادة وانتقاصاً من القانون. استلم عون من السفير السوري براءة ذمة "عن راحة نفس" كل تلك الخروق المتواصلة. ربّما هذا هو ما وصفه السفير بـ"الرؤية العميقة" لدى الجنرال.. أي تحوّل تلك العدائية للنظام السوري ومن ثم مسامحته الى استقبال رموزه على حساب الانقسام الداخلي الذي لم يبادر الى "إصلاحه" كما بادر في سياسة مدّ اليد الى النظام السوري.
ليس النظام السوري وحده من يشعر بالقلق على الجنرال، هناك أيضاً الشريك الإيراني الممانع والحريص على "استتباب الأمن في لبنان".. من الرابية، حسم أبادي التحقيقات "إنها مؤامرة صهيونية" مسقطاً من باله اتهامات عون العشوائية في قضية اغتياله. لم يستفسر عون عن تصريحات قائد الحرس الثوري الإيراني حول وجود عناصر منه في لبنان.. فالسؤال لا يسقط عامل الثقة بين أفرقاء الممانعة، إذا فكّر الجنرال بأنه سيحصل على إجابة تشفي تساؤلاته "كيف شكهم؟" لم يشأ الجنرال أن يعكّر صفو زيارات التهنئة بما أنه "صاحب العلاقة" في محاولة "ضرب" الاغتيال.
بغضّ النظر عن آراء الجنرال الخاصة في الشخصيات التي يستضيفها في دارته، فإن الرأي العام لم يلمس حتى الآن منه الصفات الوطنية والحرص على الوحدة اللبنانية التي تؤهّله الى رئاسة الجمهورية، وهو المرشح الدائم الى كرسي الرئاسة الأولى من دون أن يفوز على الأقل بتأييد جامع للترشيح. رسائل عدة يتناقلها زوار عون في الرابية، خطاب طينته هشّة، مضمونه فارغ من أي موقف يعني لبنان واللبنانيين ويبلسم معاناة العكاريين على الحدود.. أن يكون النظام السوري "بريئاً" من استهداف لبنان، وإيران حريصة على أمنه.. لا يعني أن تكون الزيارات الى الرابية بهذه الصراحة. فمن ستنعر مسلّة الممانعة هنا؟ وهل صحيح أنه لم يبقَ في ميدان الممانعين إلا "حديدان"؟
يرى رئيس "اللقاء المستقل" وعضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار نوفل ضوّ أنه "لم يبقَ لعون سوى السفيرين ولم يبقَ للسفيرين سوى عون". ويحلل الزيارتين قائلاً "من خلال حركة السفيرين يبدو أن كلاً من إيران وسوريا تطمح الى الإحاطة بعون أكثر فأكثر، محاولتين المحافظة على موقعه والدور الذي يلعبه". ويشرح "الدولتان خائفتان من واقعهما.. فإيران مثلاً متخوّفة من الانهيار الاقتصادي والكلام عن شبه إفلاس في الخزينة الإيرانية الذي ظهر في الإعلام في اليومين الأخيرين، مقابل شبه إفلاس سياسي وعسكري واقتصادي في سوريا".
ويوضح ضوّ "هذه التحوّلات حملت حلفاء الدولتين في لبنان على العدّ للعشرة.. إلا أن السفيرين توجّها الى عون الذي يشكل نقطة قوة أو نقطة ضعف لهم من أجل محاولة الإبقاء عليه في الموقع الذي يتواجد فيه حيث أن الحلفاء الآخرين يحسبون ألف حساب لما يصدر عنهم من تصريحات والدليل الكلام المغاير الذي يعتمدونه في هذه الفترة".
ويختم "الشخصيات التي كانت محسوبة على النظامين السوري والإيراني، تتحدث اليوم بخطاب مغاير.. كما أن أحزاباً كثيرة كانت تداري سياسة النظامين في لبنان باتت تعتمد كلاماً مختلفاً آخذة في الاعتبار التحولات في هاتين الدولتين".
من جهته، يصف عضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار والمحلل السياسي الياس الزغبي لقاء السفيرين عون بـ"لقاء الإفلاسات الثلاثة". ويشرح "الإفلاس السياسي يشبه الإفلاس المالي وصاحب الإفلاسين يعرض كل ما عنده.. وعون مفلس سياسياً ومعوّم مالياً".
ويخلص الزغبي "لهذا يتخبّط عون في أمنه السياسي والأمني وهو يقفز من مكان الى آخر في ظرف يومين استعطافاً لثقة الناس وتعويم شعبيّته". ويتابع "لا يتورّع عون عن إطلاق النار على قدميه، كما أنه لا يتردد أبداً في استخدام الوسائل غير الأخلاقية للتحريض على طائفة كبيرة كما فعل في اتهامه الطائفة السنية.." ويرى الزغبي أن "عون يحاول فتح جروح الحرب بين المسيحيين من خلال إصراره على زيارة سيدة إيليج ومعروف أنها رمز لشهداء المقاومة اللبنانية"، يشبّه الزغبي ذلك بـ"إصرار عون على فتح أوتوستراد حالات للبحث عن مقابر جماعية".
ويلفت الى أن "عون يتقن الحفر والحكّ والنّبش في الروح والذاكرة علّه ينقذ مستقبله السياسي".. ويعلّق الزغبي "عون بات مكشوفاً على مكان معروف بآفاقه الجغرافية والسياسية، لا يعاني الحشرة، فحين سيتحرك سيكون محوره الضاحية – دمشق النظام – طهران". ويلاحظ أن "عون فقد صلته بالغرب أي أوروبا وأميركا كما فقد صلته بأي دولة حضارية ومتقدمة وصنّف نفسه مع دول تملك أنظمة ديكتاتورية متهاوية ومتراجعة.. لذا لم يزره سوى السفيرين السوري والإيراني".
