#dfp #adsense

أحرار حسينيون حقيقيون

حجم الخط

"مر الكلام ذي الحسام يقطع مكان ما يمر
أما المديح سهل ومريح يخدع لكن بيضر
والكلمة دين من غير أيدين بس الوفا عل الحر"
(أحمد فؤاد نجم)

أنا بصراحة لا يهمني ما تكتبه إحدى الصحف من دسائس، ولا أعير اهتماماً لما يكتبه أحد أحبارها من مقالات سامة وملوثة بفكر أقبية المخابرات وعفونة المنطق القمعي الذي تربى عليه الآلاف من خريجي مدارس حزبية من غياهب التاريخ المظلم تعتبر الدسائس والمؤامرات وإحصاء أنفاس الناس وارهابهم جزءاً مكملاً إلزامياً لسياستهم يسمونه هم تحبباً العنف الثوري أو الإرهاب الثوري أو التأطير الفكري الثوري وكما نعلم فقد استبدل حزب ولاية الفقيه الثوري بالإلهي ليزيد في القمع والتضليل.

ولكن الواقع هو أن بعض الإعلام الممول والمدعوم مما يسمى جبهة الممانعة يمارس عدا التضليل نوعاً من الترهيب على كل من يتجرأ على نقد "الإجماع" الافتراضي الذي استولى به حزب ولاية الفقيه على قرار ومصير جزء من المواطنين سمّاهم "جمهور المقاومة" لتجنب القول بأنهم شيعة لبنانيون.

لقد نسي هذا الحزب تاريخهم الطويل في الاجتهاد، وليس من المبالغة القول بأن جزءاً عظيماً من الأدبيات الإثنا عشرية كانت من مساهمات أجدادهم العاملين قبل عدة قرون من اعتبار الصفوية التشيع ديناً قومياً فارسياً. وحتى عند ذلك الوقت فقد كان لعلماء جبل عامل الدور الأكبر في بناء ذلك الفقه من أمثال المحقق الكركي وغيره من عشرات المجتهدين الذين استوردهم الصفويون لشرعنة حكمهم وتقديسه.

لم يكن "شيعة فيلتمان" أو "شيعة السفارة" حسب هذه الصحيفة، والذين صنفتهم بالخونة، أول من تعرض للإرهاب الصفوي الذي مارسه حزب ولاية الفقيه على شيعة لبنان منذ بداياته، ولم يسلم حتى العلامة المرجع محمد حسين فضل الله من تحرشاتهم وحتى اتهاماتهم له بشتى النعوت، لمجرد اجتهاده المختلف مع الإمام الخميني في حدود ووحدانية وجنسية الولي الفقيه، ولولا صبر وسعة صدر السيد فضل الله من جهة وقناعة مرجعية "حزب الله" بأنها قادرة على تجاوز عقبة مرجعيته بالإمكانات الواسعة من جهة أخرى، لكان هذا الخلاف أخذ أبعاداً خطرة.

لا أريد هنا النبش في قبور الماضي، ولكن الوقائع تؤكد بأن الكثيرين من شيعة لبنان تعرضوا لأكثر من الترهيب على يد حزب أراد "توحيد" الجميع تحت رايته، فلا تزال سلسلة الاغتيالات التي طالت المناضلين الشيعة اليساريين في الثمانينيات مسجلة باسم مجهول، ولو أن إسرائيل كانت وراء اغتيالهم، لكان من الواجب أن يعتبرهم الحزب العظيم من شهداء المقاومة (هذه الصفة طبعاً تمنح فقط لمن أسلم نفسه للولي الفقيه).

من ناحية أخرى، وبغضّ النظر عن رأيي في حركة "أمل" في ذلك الوقت، فإن عدد ضحايا سعي حزب الولي الفقيه في لبنان لإلغاء الآخر الشيعي تعدت الآلاف في اقليم التفاح وفي الضاحية الجنوبية وفي البقاع، ولم ينقذ ما تبقى من هذه الحركة من الإندثار إلا حماية النظام السوري لها ولرموزها، ولكونها طبعاً أصبحت تابعاً سياسياً للحزب بعد أن كان أفرادها يصفون "حزب الله" بعميل إيران.

لم يكتف حزب ولاية الفقيه بالإرهاب العسكري، فالإرهاب الفكري المرتبط بخلط المقدّس بالسياسة، وإيهام "جمهور المقاومة" بأنه يخالف دينه ويضحّي بآخرته إن هو جاهر بمخالفته للتوجه السياسي للحزب. من هنا يفهم إصرار نصرالله على إقحام المقدّس في الشؤون العسكرية والإدارية والسياسية حتى لا يحاسبه ولا يناقشه أي من البشر "العاديين".

أما الإرهاب الفكري الآخر فيكمن في أن الحزب سيطر على معظم الحوزات العلمية في لبنان، وبالتالي فقد أدخلت مسألة ولاية الفقيه بنسختها الخمينية في صلب العقيدة على الرغم من أن هذا الموضوع ما هو إلا اجتهاد اختلف مع تفاصيله حتى أقرب المقربين مع الإمام الخميني المعروفين فلم ينجوا هم أيضاً من العزل والتجريح وحتى الإهانة أبرزهم آية الله العظمى السيد محمد كاظم شريعتمداري وآية الله حسين علي منتظري.

في لبنان شيعة حسينيون أحرار استهدوا بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عندما قال: "لا يغرنك في طريق الباطل كثرة الهالكين ولا يوحشنك في درب الحق قلة السالكين". هؤلاء "ثلاثة وسبعون" في وجه الآلاف المدججين بسلاح السلطة والإرهاب، ينتصرون كما فعل الحرّ بن يزيد التميمي في كربلاء عندما آثر نصرة الحق رغم الهرج والمرج وطغيان الأكثرية ونصائح أبناء العشيرة بإيثار السلامة. فهل يضير هؤلاء الأحرار إن نعتهم أنصار يزيد بشيعة فلتمان أو قالوا لهم "لا مكان للخونة بيننا!".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل