الجمعة الثّانية بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منْ مارِ توما الأَكويِني (+1273) صليبُ المسيحِ دواءٌ وقدوة (في قانون إِيمان الرُّسل، 6،6)
ما الضَّرورةُ إِلى أَن يتأَلَّمَ كلمةُ اللهِ منْ أَجلِنا؟ إِنَّها لضرورةٌ كبرى! أَوَّلًا ليعطيَنَا دواءً ضدَّ الخطيئة، وثانيًا ليقدِّمَ لنا قدوةً في كلِّ ما علينا أَن نعملَهُ. أَمَّا الدَّواء، فلأَنَّنا نجدُ في آلامِ المسيحِ بلسمًا لجميعِ الأَوجاعِ الَّتي سببَّتها الخطيئة.
والقُدوة، لأَنَّ آلامَ المسيحِ كافيةٌ لتطبعَ حياتَنا كلَّها: مَنْ يريدُ أَن يسيرَ سيرةً كاملة، يكفيهِ أَن يحتقرَ ما احتقرَهُ المسيح، ويرغبَ في ما رغبَهُ المسيح. كلُّ قدوةٍ تأَتينا منَ الصَّليب:
أَتريدُ قدوةً في المحبَّة؟ ليسَ حبٌّ أَعظمَ من هٰذا وهو أَن يبذُلَ الإِنسانُ نفسَهُ عن أَحبائِه. هٰذا ما فعلَهُ المسيحُ على الصَّليب، أَعطانا حياتَهُ، لئلَّا نستصعِبَ أَوجاعَنا منْ أَجلهِ!
أَتريدُ قدوةً في الصَّبر؟ إِنَّك لواجدٌ مثالَهُ الأَكملَ في الصَّليب. صبرَ المسيحُ على الآلام، لنصبرَ نحنُ على اﮕمتحانِ المُعَدِّ لنا، شاخصينَ إِلى رأْسِ إِيمانِنا يُبلِّغُنا الكمال.
الرّسالة: رؤ 5 :1 -10
رؤيا الحمل المذبوح
1 ورأيتُ في اليمينِ الجالِسِ على العَرش كتابًا مَخْطوطًا من الدّاخِل ومن الخارِج، مَختوماً بِسَبعةِ خُتوم.
2 ورأيتُ ملاكًا قوِيًّا يُنادي بصَوتٍ عظيم: "مَن هوَ المُسْتَحِقُّ أن يَفْتَحَ الكتاب َ ويَفُضَّ خُتومَهُ؟".
3 فما كانَ أحَدٌ في السَّماءِ ولا على الأرْضِ ولا تَحتَ الأرضِ يَسْتَطيعُ أن يَفْتحَ الكِتاب، ولا أن يَنْظُرَ إليه!
4 فأخَذْتُ أبْكي بُكاءً كَثيرًا، لأنَّهُ لم يوجَد أحَدٌ مُسْتَحِقًّا أن يَفْتَحَ الكتاب، ولا أنْ يَنْظُرَ إليه!
5 فقالَ لي واحِدٌ من الشُّيوخ: "كُفَّ عنِ البُكاء! هُوَذا الأسَدُ الّذي من سِبْطِ يهوذا، أصْلُ داوُد، قد ظَفِرَ لِيَفْتحَ الكِتابَ وخُتومَهُ السَّبْعة".
6 ورَأيتُ في وسَطِ العَرْشِ والأحياءِ الأرْبَعة، وفي وسطِ الشُّيوخ، حمَلًا واقِفًا كأنَّهُ مَذْبوح، لهُ سَبْعةُ قُرونٍ وسبْعُ أعْيُن، هيَ أرْواحُ الله السَّبْعَةُ المُرْسَلَةُ إلى الأرْضِ كُلِّها،
7 فأتى وأخَذَ الكِتابَ من يَمينِ الجالِسِ على العَرْش.
8 ولمّا أخَذَ الكِتابَ، سقطَ الأحياء الأرْبَعةُ والشُّيوخُ الأرْبَعَةُ والعشرونَ أمامَ الحمَل، ومعَ كُلٍّ منهم قيثارَةٌ وكُؤوسٌ من ذَهبٍ ملأى بخورًا، وهيَ صلَواتُ القِدّيسين،
9 وهُم يُرنِّمونَ تَرنيمَةً جديدَةً قائلين: "إنَّكَ مُسْتَحِقٌّ أن تَأْخُذَ الكِتاب، وتَفْتَحَ خُتومَهُ، لأنَّكَ ذُبِحْتَ وﭐفْتَدَيتَنا لله بِدَمِكَ من كُلِّ قَبيلَةٍ ولِسانٍ وشَعْبٍ وأُمَّة،
10 وجَعَلْتَنا لإلٰهِنا مَمْلَكَةً وكَهَنَة، وسَنَمْلِكُ على الارْض".
شرح آيات الرّسالة:
1-14 رؤيا الله القدّوس على العرش في السّماء، يخدمه الأحياء الأربعة والشّيوخ الأربعة والعشرون (4/1-11)، تتبعها رؤيا الله والكتاب (5/1-5)، ثمّ رؤيا الله والحمل (5/6-7)، ثم ترنيم الأحياء والشّيوخ (8-10)، وهتاف الملائكة الكثيرين (11-12)، وتسبيح الخلائق كلّها (13)، نشيد كونيّ تصاعديّ رائع، يختمه الأحياء الأربعة بـ "آمين"، والشّيوخ الأربعة والعشرون بسجود عميق.
1 رؤ 4/2؛ آش 29/11؛ حز 2/9-10؛ دا 12/4، 9.خر 34/15؛ (لوحا الوصايا).
كتابًا مخطوطًا… مختومًا: الصّورة مستعارة من الأنبياء (حز 2/9-10؛ إر 32/9-14). ليسالمقصود كتابًا ولارسالة ولا صكًا، بل وثيقة كاملة، لا يسع أحدًا أن يزيد عليها حرفًا واحدًا، كُتِبت فيه، على ورق برديّ، إرادةُ الله القدّوسة، وتصميمه الخلاصيّ لشعبه وللعالم، في جميع أحداث التّاريخ. يحدّد شرّاح أنّه الكتاب المقدّس، العهد القديم، وقد كان فهمه مغلقًا، إلى أن فضّ ختومَهُ المسيح، فأظهر معناه ومحتواه (2 قور 3/14-16).
سبعة ختوم: عادة رومانيّة قديمة في ختم صكوك بالغة الأهميّة، ليصعب، ويستحيل فتحها (5/2-4).
2 ينادي: اللّفظة مألوفة في الإنجيل، لإعلان بشرى الخلاص، لم ترد في الرّؤيا إلّا هنا.
من هو المستحقّ: للمسيح وحده الحقّ، لأنّه وحده قَبِلَ الذّبح، وعمل الخلاص (5، 9، 12)، وظفر (5/5) على العالم والشّيطان (يو 16/33؛ متّى 12/28؛ لو 10/17-20؛ 1 يو 2/14).
3 فل 2/10.
في السّماء، على الأرض، تحت الأرض: تقسيم مثلّث للكون، يعكس المعتقد القديم (خر 20/4؛ فل 2/10). "تحت الأرض" تعني عالم الموتى، أو عالم الأرواح الشّرّيرة.
4 أَبكي: بكاء يوحنّا هنا هو بكاء الكنيسة، الحاملة خطايا النّاس أجمعين، وبكاء البشريّة جمعاء العاجزة عن قراءة تاريخها، وإرادة الله عليها.
5 تك 49/9، 10؛ آش 11/1، 10؛ رؤ 22/16؛ عب 7/14؛ روم 15/12؛ لو 7/3-15.
الأسد، الّذي من سبط يهوذا، أصل داود: ألقاب مسيحانيّة، وإشارة واضحة إلى ﭐنتماء المسيح البَشَريّ (تك 49/4؛ عب 7/14؛ آش 11/1، 10).
أصل داود: لغويًّا، بدل من "الأسد"، والتّعبير مستعار من (آش 11/10). المسيح هو "أصل داود وذرّيته" (22/16): هو أصل داود، بما أنّه إلٰه خالق؛ وهو ذرّيّة داود، بما أنّه إنسان (روم 1/3).
قد ظفر: في المطلق، بدون ذكر المفعول (راجع "الظّافر"، في الرّسائل السّبع)؛ مع ذكر المفعول في (12/11؛ 13/7).
6 آش 53/7؛ خر 12/3-6؛ يو 1/29، 36؛ رؤ 5/12؛ 13/8؛ زك 4/10؛ رؤ 1/4؛ 4/5.
حملًا: وردت اللّفظة اليونانيّة مرّة واحدة في إنجيل يوحنّا (21/15)، وفي الرّؤيا 29 مرّة؛ 28 مرّة للمسيح، ومرّة واحدة للوحش مُقَلِّدًا المسيح (13/11).
واقفًا: التّشديد على الوقوف (5/6؛ 7/9، 11؛ 8/2؛ 11/4؛ 15/2؛ 20/12)، إشارة إلى النّصر، وهنا إلى المسيح القائم المنتصر على الموت. ظهر يسوع واقفًا (رسل 7/55)، وقوف القاضي الدّيّان، عندما يُصدر الأحكام.
مذبوح: وردت اللّفظة، في الرّؤيا، أربع مرّات للحمل (5/6، 9، 12؛ 13/8)، ومرّتين للشّهداء (6/9؛ 18/24)، ومرّة للنّاس (6/4)، ومرّة للوحش (13/3)؛ وفي باقي
العهد الجديد، مرّة واحدة لهابيل (1 يو 3/12). يذكّر الحمل المذبوح بحمل آشعيا (53/7)، وبحمل الفصح (خر 12/3-6)، وبيسوع المصلوب (يو 19/36). يحمل يسوع الحمل سمات آلامه، لٰكنّه يقف ظافرًا، لأنّه قام حيًّا (رؤ 1/18).
له سبعة قرون: تعبير عن ملء القدرة الإلٰهيّة (تث 33/17؛ دا 7/7-8، 24). ليس "الحمل" وديعًا ضعيفًا، بل هو "الكرّاز"، قائد القطيع، وحاميه من الوحش (17/14).
سبع أعين: تعبير عن ملء المعرفة الإلٰهيّة (زك 4/10).
هي أرواح الله السّبعة: تعبير عن ملء الرّوح الإلٰهيّ (آش 11/2-3). راجع 1/4؛ 3/1؛ 4/5.
7 رؤ 4/2؛ يو 1/29؛ زك 4/10؛ رؤ 4/5.
8 مز 141/2؛ رؤ 8/3، 4.
كؤوس: ضرب من الكؤوس لا قاعدة له، ولا يُقبَض. لم ترد اللّفظة اليونانيّة، في العهد الجديد، إلّا هنا وفي الفصل 16.
بخورًا، هي صلوات القدّيسين: ترجمة أخرى: عطورًا" علاقة العطور بالصّلاة (8/3، 4) عريقة (مز 141/2)، في خدمة هيكل أورشليم (لو 1/9-10).
9 مز 33/3؛ 40/3؛ 96/1؛ 98/1؛ 144/9؛ 149/1؛ آش 42/10؛ رؤ 14/3، 4؛ روم 3/34.
ترنيمة جديدة: علامة العهد الخلاصيّ النُّهيويّ (2/17).
11 خر 19/6؛ آش 61/6؛ 1 بط 2/5، 9؛ رؤ 1/6؛ 20/6؛ 22/5.
الإنجيل
متّى 12: 38-42
آية يونان
38 حينَئذٍ أجابَهُ بَعْضُ الكَتَبَةِ والفَرّيسيّينَ قائلين: "يا مُعَلِّم، نُريدُ أنْ نَرى مِنْكَ آيَة".
39 فأجابَ وقالَ لَهُم: "جيلٌ شرّيرٌ فاجِرٌ يَطْلُبُ آية، ولَنْ يُعْطى آيةً إلّا آيةُ يونانَ النَّبيّ.
40 فكَما كانَ يونانُ في بَطْنِ الحوتِ ثلاثةَ أيّامٍ وثلاثَ ليال، كذٰلِكَ سَيَكونُ ﭐبنُ الإنْسانِ في قَلْبِ الأرْضِ ثلاثةَ أيّامٍ وثلاثَ لَيال.
41 رِجالُ نينَوى سَيَقومونَ في الدّيْنونَةِ مَعَ هٰذا الجيلِ ويَدينونَهُ، لأنَّهُمْ تابوا بِإنْذارِ يونان، وها هُنا أعْظَمُ مِنْ يونان!
42 مَلِكَةُ الجَنوبِ سَتَقومُ في الدّينونَةِ مَعَ هٰذا الجيلِ وتَدينُهُ، لأنَّها جاءَتْ مِنْ أقاصي الأرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُليمان، وها هُنا أعْظَمُ مِنْ سُليمان!
شرح آيات الإنجيل:
38 متّى 16/1؛ مر 8/11؛ لو 11/16؛ يو 6/30؛ 1 قور 1/22.
آية: كان اليهود يتوقّعون مسيحًا يأتي بآيات كونيّة خارقة يثبت بها رسالته (1 قور 1/22؛ متّى 16/1؛ 24/3، 30)، ولٰكن يسوع أبى أن يأتي بمثل تلك الآيات، وأحال سائليه على آية موته وقيامته معبّرا عنها بآية يونان، وبالثّلاثة الأيّام، والثلاث اللّيالي.
39 متّى 16/4.
40 يون 2/1.
ثلاثة أيّام وثلاث ليال: ترجمة أخرى ثلاثة أيّام بلياليها. العبارة منقولة عن (يون 2/1)، وهي لا تنطبق بدقّة على المدّة الّتي تفصل بين موت الرّبّ وقيامته.
41 يون 3/5، 8؛ حز 3/6-7؛ متّى 12/6.
43 3 مل 10/1-10؛ 2 أخ 9/1-12؛ متّى 12/6.
41-42 أهل نينوى وملكة الجنوب: أهل نينوى تابوا بإنذار يونان (يون 3/5)، وملكة الجنوب ملكة سبأ، ويدعوها العرب بلقيس، أتت تسمع حكمة سليمان (3 مل 10/1-10). ويسوع أكبر نبيّ، وأعظم من حكيم، بل هو حكمة الله المتجسّدة، ويرفض معاصروه أن يسمعوا له!
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.