رغم كل التطورات السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة، يحتل النقاش حول قانون الانتخابات النيابية مكانة أساسية في اللعبة السياسية والاعلامية في لبنان. اللجان النيابية المشتركة في مجلس النواب ستجتمع كل ثلثاء وخميس لمتابعة النقاش تمهيداً لإقرار القانون الذي على أساسه ستُخاض الانتخابات النيابية لسنة 2013، وربما لسنوات لاحقة أيضا، في حال تم إقرار قانون متطور بتقسيماته وقدرته أن يعكس تمثيلاً صحيحاً لمختلف مكونات الوطن.
وفي الواقع الطائفي في لبنان، من الطبيعي أن تسعى كل مجموعة في لبنان الى التمسك بالقانون الذي يتيح لها إيصال أكبر عدد من النواب الذين يمثلونها خير تمثيل. هكذا يحرص الثنائي "حزب الله"- "أمل" ليس فقط على الإتيان بنواب من الطائفة الشيعية يمثلون الأكثرية الشيعية، بل يحاولون قضم حصة من النواب المسيحيين في البقاع الشمالي والجنوب إضافة الى محاولة التأثير على اختيار النواب المسيحيين في بعبدا وجبيل وزحلة وجزين.
وهكذا أيضا يصرّ النائب وليد جنبلاط على قانون يضمن له ليس فقط اختيار نواب طائفة الموحدين الدروز، بل أيضا يطمح الى أن تكون له كلمة في تسمية نواب مسيحيين في الشوف وعاليه.
وهكذا أيضا وأيضا يسعى "تيار المستقبل" الى قانون يحفظ له كونه الأكثرية الواضحة على الساحة السنية، بحيث يأتي قانون يعكس هذا الواقع إضافة الى إمكانية اختيار بعض الأسماء المسيحية حيث للوجود السني تأثير في اختيار هؤلاء النواب.
أمام هذا الواقع كان الهاجس المسيحي منذ العام 1992 وحتى اليوم إقرار قانون للانتخابات يضمن على الأقل أن يأتي النواب المسيحيون بأصوات المسيحيين، أي أن يكون المسيحيون أصحاب قرارهم في اختيار من يمثلهم، من دون أن يعني ذلك الانغلاق عن الشركاء في الوطن. وبناء عليه شكل طرح اللقاء الأرثوذكسي النموذج الأمثل نظريا لكي ينتخب المسيحيون بأنفسهم نوابهم الـ64 من دون أي شراكة من المكونات الأخرى للوطن، وهذا ما أثار حساسيات لا تصب في المصلحة اللبنانية، فلاقى الطرح المذكور اعتراضا شاملا من كل الأطراف المسلمة سواء في "8 آذار" أو في "14 آذار"، لا بل إن مسيحيي "8 آذار" من عونيين و"مردة" كانوا السباقين في اجتماعات لجنة بكركي الى رفض مشروع اللقاء الأرثوذكسي لعدم التسبب بحساسيات معينة.
ولكن ما ليس مفهوم على الإطلاق هو سبب رفض العونيين لمشروع الدوائر الصغرى الذي يؤمن وصول حوالى 57 نائبا من أصل 64 بأصوات المسيحيين! في المقابل يصرّ العونيون على قانون النسبية الذي يوصل في أفضل الأحوال 47 نائبا بأصوات المسيحيين! وفي الوقت نفسه يصر جماعة "الإصلاح والتغيير" المزعومَين على ادعاء تمثيل المسيحيين والحفاظ على حقوقهم…
في كل النقاشات السياسية الدائرة لم يشرح أي من النواب أو المسؤولين العونيين سبب رفضهم لقانون الدوائر الصغرى. لم نسمع أي شرح أو أي تفسير لأسباب رفضهم هذا المشروع الذي تكفي موافقتهم عليه ليصبح إقراره مضمونا بأكثرية تتجاوز الـ75 نائبا، وذلك بعد موافقة تيار المستقبل على هذا المشروع!
إذا كان رفض "القوات اللبنانية" لقانون النسبية كخيار أول، والعمل بجهد لإقرار قانون الدوائر الصغرى طبيعيا ومفهوما ومبررا انطلاقا من أن الدوائر الصغرى تتيح الإتيان بـ10 نواب إضافيين بأصوات المسيحيين، فإن إصرار العونيين على الاتجاه المعاكس لا يمكن فهمه بغير الإصرار على تنفيذ أجندة "حزب الله" من دون أي اعتبار لمصلحة المسيحيين ومشاركتهم الفاعلة في الحياة السياسية. لا بل إن إصرار العونيين على رفضهم لمشروع الدوائر الصغرى يمكن تفسيره بخوفهم الكبير من مواجهة الناخبين بشكل مباشر في ظل تقهقر شعبيتهم نتيجة لسياستهم المعروفة بالتبعية لـ"حزب الله" ونظام بشار الأسد.
أيا يكن نأمل من أي نائب عوني أن يجيبنا على الآتي: ما هي أسباب رفضهم لمشروع الدوائر الصغرى؟ ولِمَ يفوّتون على المسيحيين هذه الفرصة التاريخية لإقرار أفضل قانون ممكن للانتخابات يريح المسيحيين لعشرات السنوات المقبلة؟