كتب ألان سركيس في صحيفة "الجمهورية":
لا تزال أصداء الزيارة المرتقبة لرئيس تكتل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون إلى دير سيدة إيليج تتردّد، نظراً إلى الرمزية الخاصة التي يتمتع بها الدير في نفوس أهالي شهداء «القوات اللبنانية» وبقيّة أفواج المقاومة.
الاعتراض ليس على زيارة عون إلى جبيل، إنما على مجيئه إلى دير سيدة إيليج الذي يحتضن نحو 300 شهيد سقطوا في الحرب، الأمر الذي يستفزّ أهالي ميفوق ذَوي الشهداء، لأنّ قسماً كبيراً من هؤلاء الشهداء سقطوا في حرب الإلغاء التي شنّها عون على "القوات"، وهو يأتي من دون أيّ اعتذار من أهاليهم.
وفي وقت أعطى رئيس حزب "القوات" سمير جعجع توجيهاته الى المحازبين والأهالي ليكون الاعتراض سلمياً وديموقراطياً، اعتدى 30 مسلحاً ينتمون الى "حزب الله" على القوى الأمنية في بلدة علمات الجبيلية وسلبوهم سلاحهم وفرّوا، ما يدلّ على الاختلاف بين ثقافة جمهور مقاومة "حزب الله" وثقافة جمهور "القوات" والمقاومة اللبنانية وطريقة تعاطيهما. يقول منسّق جبيل في حزب "القوات اللبنانية" شربل أبي عقل لـ"الجمهورية": "لا مشكلة لدينا مع أي زيارة الى جبيل، وهذا حق طبيعي لكلّ طرف سياسي وعلى الناس تقويم اهدافها ونتائجها. أمّا المشكلة فهي المجيء الى مكان له خصوصية ورمزية كبيرة في قلب كل مسيحي، ما يشكّل إساءة مقصودة واستفزازاً لأهالي الشهداء ولذكراهم".
ورأى أنه "لا يمكن الفصل بين وجود أضرحة الشهداء داخل الصرح وبين المزار، ومُجمل الشهداء استشهدوا في حرب الإلغاء التي شنّها العماد عون على "القوات"، ولو كان لديه الجرأة لكان اعتذر من أهالي الشهداء وكان قبول زيارته مُمكناً، لكن ما فعله نوّابه وصهره هو إساءة الى شهدائنا، حيث قال الوزير جبران باسيل إنهم شهداء "بارات" ولم يكونوا مقاومة".
وأعلن أبي عقل أن "أهالي الشهداء سينفذون اعتصاما سلميا وحضاريا على مدخل الأضرحة، وسنقول إننا بأجسادنا نحافظ على كرامة شهدائنا، ولن يحصل أي مواجهة أو صدام مع العونيين لأنها ليست ثقافتنا بلى ثقافة حلفائهم الذين اعتدوا في بلدة علمات على القوى الأمنية، وتاريخهم طويل في قطع الطرق".
رابطة سيدة إيليج لم يَرُق لها محاولة استغلال مقابر الشهداء، فأصدرت بيانا رفعت فيه الصوت عالياً لمَن يريد التوجّه في اليومين المقبلين الى ايليج، واعتبرت أنّ "ايليج مكان للمسامحة والمصالحة وتصفية آثار الحرب من خلال تنقية الذاكرة لأخذ العبر والاعتذار من الماضي، لأنه بذلك يكون احترام تضحيات الشهداء"، مستنكرة محاولة استعمالها في سياق الاستغلال السياسي لإعادة إثارة الأحقاد وإيقاظ مشاعر الماضي المؤلم. وهي حتماً لم ولن تسمح بذلك، فيكفي أهالي الشهداء ما يعانونه من جرّاء استشهاد أبنائهم، ليأتي مَن يستعمل مدافنهم ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وإضافة جروح الى نسيج مجتمعنا المسيحي وبين الأخوة في البيت الواحد، وهذا ما يجب أن يتنبّه إليه جميع المعنيين، ويشكّل لهم حافزاً ضرورياً لالتزام أخلاقيات العمل السياسي وتعاليم الكنيسة".
وفي هذا السياق، قال رئيس رابطة سيدة إيليج إيلي مراد لـ"الجمهورية": "لو كان العماد عون يَنوي زيارة أضرحة الشهداء، عندها كنّا سنتحرّك، أما إذا أراد زيارة المزار فقط، فهذا شأن الكنيسة المارونية لأننا لا نستطيع مَنع أحد من زيارة الكنيسة، أما الأضرحة فلها خصوصية. وقبل أن يزورها عون، عليه أن يُنقّي الذاكرة ويراجع الماضي ويعترف بالأخطاء التي ارتكبت، لأنّ الحوادث ذاتها تتكرر وتُسقِط شهداء".
وأكد مراد أنّ "لميفوق رمزية خاصة عند المقاومة اللبنانية، وهي تضمّ شهداء منذ حرب السنتين وبعد أحداث الشمال ومن أحزاب "القوات" و"الكتائب" و"الاحرار" وبقيّة المقاومين. وما يُثير الاستفزاز هو إقدام عون على الزيارة في حين سقط 16 شهيداً في منطقة نهر الكلب في حرب الإلغاء. فكيف يستطيع أهل فرحان حشاش، مثلاً، وهو من بلدة ميفوق، استقباله، فهو يأتي الى البلدة من دون المرور على أهله وتنقية الذاكرة".
وأشار مراد الى أن "الفكرة الأساسية ليست مَنع الزيارة، لأنّ الكنيسة للجميع، فالرئيس السابق سليمان فرنجية قتل 33 شخصاً في كنيسة مزيارة ولم تمنعه الكنيسة من الدخول اليها، إنما يجب العمل على توضيح الماضي والاعتراف بالارتكابات للانطلاق نحو المستقبل وعدم الوقوع في الأخطاء نفسها".
من جهته، أوضح عضو تكتل "التغيير والاصلاح" النائب سيمون أبي رميا لـ"الجمهورية"، أنه "لم يكن ضمن برنامج زيارة عون المرور على مدافن الشهداء، وهو سيمرّ على الدير ويصلّي خمس دقائق ويمشي، لكن هناك من رَوّج خبر زيارة عون لمدافن الشهداء ليُثير البلبلة ويفتعل الإشكالات". ويشير أبي رميا الى أن "الزيارة هي محطة من 16 بلدة، وستكون للصلاة مثل دير مار شربل عنايا، ولحفد بلدة مار إسطفان"، معلناً أن "التواصل قائم مع قيادة "القوات" ومع رئيس بلدية ميفوق وفاعليتها التي نحترم الوجود القواتي فيها من أجل التعاون المستمر، لأنه لا نستطيع منع بعضنا من الدخول الى الكنيسة، وما نَتمنّاه هو وحدة الصف المسيحي ونسيان الماضي الثقيل وفتح صفحة جديدة".