من ميزات عصرنا أنّ التحوّلات السياسية لم تعد تحتاج الى عشرات أو مئات السنوات. دورة التاريخ اصبحت أسرع، وبعض الكلمات «تطوّرت» معانيها. في لبنان لا نزال نراوح مكاننا في التاريخ وفي المعاني.
تتغيّر إدارات الدول، من أقصى اليمين الى أقصى اليسار في غضون أربع سنوات، ونحن في لبنان منذ سبعين سنة لا زلنا نبحث عن «أيّ لبنان نريد»! لنأخذ كلمة «نضال» وكيف «تطوّر» معناها. «النضال»، في وجداننا، «دماء وعرق وسهر وتضحيات».
وإذا صودِفَ وحَصَلْنا يوماً على مُبتغانا ولم يسقطْ منّا مئة شهيد، شعرنا في قرارة أنفسنا بأنّ ما حصلنا عليه سراب، أو أنّنا لا نستحقّه! نولد ونموت وفي آذاننا هذه اللازمة: «نحن نمرّ اليوم في أصعب مرحلة من تاريخ لبنان». دُلُّونا على المراحل السهلة. حَرِّرونا من لعنة «الانتظارات الطويلة».
الطويلة الى درجة أن لا نهاية لها. مِنَ المُخيفِ والمُحزن أن يكون شعارنا «نحب الحياة»، وأن نقول: لا بأس إن لم يتحقق هذا الشعار «على حياتنا». المسألة ليست مسألة يأس، أو آفة من آفات قلة الصبر. نحن في عصر أصبح تحقيق الهدف يوازي بقيمته سرعة الوصول إليه.
لذلك…
نحن جمهور 14 آذار، إذا حزنا الأغلبية النيابية، نريد أن نعرف اليوم قبل الغد، برنامج الحكم الكامل، وبتفاصيله المملّة. نريد أن نعرف على من اتفقتم لرئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس النواب. والأهم، نريد أن نعرف، ومنذ الآن، أسماء وزير الاشغال ووزير الشؤون الاجتماعية ووزير البيئة.
قبل الاستراتيجية الدفاعية، نريد أن نعرف خطة الحكومة إذا تعطلت شاحنة على مدخل نفق سليم سلام! لا نريد أن نرى وزراءنا في كلّ العشاوات والغداوات ومهرجانات القرى والندوات. نريد أن يناموا في وزاراتهم، وأن لا تنطفئ أنوار المكاتب حتى ساعة متقدّمة من الليل. لا نريد حكومة تنادي «بإلغاءالطائفية»، وهي عاجزة عن فرض حزام الأمان في السيارة.
اتركوا الطائفية ولو الى حين، وطبِّقوا «منع التدخين». نحن جمهور 14 آذار نريد من قادتنا مفهوما جديدا «للنضال». نريدكم أن تقولوا علناً ما نقوله همساً، لا أن نقول نحن علناً، ما تقولونه لنا همساً! نريد التعامل مع مصاعب التنفيذ، لا أن نتنفّس في الاوقات المُستَقطَعَةِ بين صراعين دوليين او اقليميين.
جَرَّبْنا كلّ هذا التمهّل، فحصدنا خسارات في المواقع والأرواح، والأهم في الزمن. نريد أن نحيا الآن وليس غدا. ونريد أن نحيا نحن، لا الآتون بعدنا. نريد أن نقاوم اسرائيل بمدّ جسر جديد، وبفتح مصنع جديد، وبتحفيز شركة دولية لتنتقل من دبي الى بيروت.
نريد ان تأتي مغنّية اجنبية مبتذلة، فنرفع على مدخل الحفل يافطة لا ساطوراً. في اسرائيل يحاكمون زعماءهم، ويجدون وقتاً للانتصار على العرب. نحن لا نُحاكِم ولا ننتصر. ليس عيباً، ولا حُلمَ يقظة، أن نعرف كلّ الاسماء اليوم وليس غداً.
وليس ترفاً أو سذاجةً أن نعرف كلّ الخطط قبل الربع الاخير من الساعة الاخيرة. السذاجة كلّ السذاجة ان تطلّوا علينا في اللحظة القاتلة، لتقولوا لنا من ننتخب في كسروان. جمهور 14 آذار لا يريد من قادته، أن يغوصوا في تبويس اللحى و»حفظ خط الرجعة». نريد ان نأتيَ «ونحاولَ مُلكاً أو نموتَ فنْعذَرَ». لا نريد لأولادنا بطاقات «مناضل أبدي».
نريدهم مواطنين، وأحيانا، وأحيانا فقط، يتصدّون لقضية «فيناضلون» سنة سنتين ثلاثاً، وليس دهراً ودهرين وثلاثة. سنحت سانحة في العام 2005 فضيّعناها لأنّنا تصرّفنا وفق الذهنية القديمة. سَحَبَنا فريق 8 آذار الى ملعبه. روزنامة 8 آذار تنتمي الى القرن التاسع عشر، إن لم يكن الى القرون الوسطى.
لا نريد أن نعيش ونتصرّف وفق روزنامتهم. السيّد حسن نصرالله يعتبر أنّ مقاومة اسرائيل هي سبب قدومنا الى الحياة في هذا الوطن. شخصيّاً، ومعي كثر، لا نريد ان نعطي اسرائيل هذا الشرف أو هذه الأهمّية. نريد أن نفعل أشياء أُخرى في الحياة. أشياء أهمّ من «هذه المقاومة» تحديداً.
نريد أن نُحيي حفلاً راقصاً على بوّابة فاطمة. في قانا ارتكبت اسرائيل اكثر من مجزرة، أين تلك المجازر في وجدان الرأي العام الدولي؟ بل أين هي في وجدان من يسكن خلف خط الاستواء الطائفي في لبنان؟ لا، ليس من يسكن بعيداً من مناطق «حزب الله» خانعاً أو خائناً. ببساطة هو غير مقتنع بهذا النوع من المقاومة التي تديم الاحتلال لتُبَرِّرَ وجودها.
السيّد حسن نصرالله ينتظر أن نقتنع «بجمهوريته الإسلامية» حتى لا يفرضها فرضاً. هو يعرف أنّ فكرته «غير مُستحبّة من البعض»، لذلك هو «ينتظر». ثمّة من ضاق بالانتظار، لأنّ اتّصال الانترنت بطيء، وثمّة من «ينتظر» أموراً من السماء، والأزمنة والبشر.
أرضنا صغيرة ولكن بمسافات بعيدة. يا قادة 14 آذار، عندما تغرق «القضية» في دوّامة الوقائع والقراءات، ومراضاة من حردَ ومن استنكف، يظهر على سطح الاحزاب والتيارات والطوائف، طُفيليّون ومجانين و»مسعورون سياسيّون»، يزيدون في الطين بلّة. وحده الاندفاع ببرنامج واضح وصريح يُسقط الطفيليّين ويُربك الخصوم.
لم نعد نريد «قواسم مشتركة»
أخصامنا بارعون في أخذ نصيبهم من «القواسم» ثمّ التفاوض على ما بقي من «قاسَمٍ» لنا. القواسم المشتركة لا تكون في القضايا المصيرية. نحن مختلفون مع 8 آذار في كلّ قضية مصيرية، وصولاً الى نصب أعمدة الكهرباء! يا قادة 14 آذار، لفرط ما تستعملون عبارة «لبنان لا يطير إلّا بجناحيه»، بدأنا نشعر بأنّ هذا الوطن دجاجة، فالدجاجة لها جناحان ولكن لا تطير! المياه الساكنة تجلب البعوض.
إذا استمرّ هذا السكون في فريق 14 آذار، فقد نصل الى أغلبية نيابية، ولكن سيتناوب علينا البعوض وبراثن «المنتظرين».