إثنتان لا تلتقيان، إلاّ نادراً، في رجلٍ واحد: التقوى والسياسة، واستطراداً، الدين والسياسة.
قبل ألْفيّتيْن، فَصَلَت الرسالة المسيحيّة بين الله وقيصر. لكنّ ساسةً مسيحيّين، سابقاً في الغرب، وراهناً في لبنان (بتأخّر قرن كامل على الأقلّ)، لا يرْعَووْن (هل هي صدفة كتابيّة؟) عن توظيف الله في خدمة قيصر، ودائماً تحت ستار الوَرَع والتقوى والحجّ إلى الأماكن المقدّسة.
لو رست السياسة، في لبنان، على أساسها الأخلاقي بمفهومها العميق، لكان من السهل والمنطقي أن تلتقي مع حالة التقوى، عند جميع رجال السياسة.
لكنّ واقع الحال هو غير ذلك تماماً. وقد بات لدينا نموذج صارخ يدأب على الإفراط في مظاهر التقوى لخدمة أغراضه السياسيّة: لا يُمكن الخطأ في تقدير من هو. إنّه ميشال عون.
لم يتورّع، قبل 4 سنوات، عن تجشّم السفر إلى قيظ البرّ السوري، بحثاً عن ضالّة سياسيّة على آثار مار مارون، لعلّه يُوفّق في الربط "السياسي" بين قدّيس قديم وطاغية حديث! وقد شُبِّه له أنّه ربح الرهان، فتهاوت حساباته بسرعة قياسيّة: القدّيس إلى المستقبل، والطاغية إلى الماضي، ولا يُمكن أن يلتقيا. أمّا هو فإلى شتات التاريخ السياسي المتفاقم.
وبعد احتراق رهانه السابق في حرّ الصحراء، يفتّش الآن (أو يفتّشون له)، عن ورقة "تقوى سياسيّة" جديدة، فوجدوها في سيّدة إيليج، أحد المقرّات التاريخيّة لخلفاء مارون الناسك ومارون البطريرك الأوّل.
لم ينجح مع الأصل، فلا بأس من التجريب مع الفروع. ولو قُدِّر له، لَمَا توانى لحظةً واحدة عن أن يأخذ بدربه المقرّ الحديث للخلفاء في بكركي. أليس هو من طوّب نفسه بطريركاً سياسيّاً على البطاركة الروحيّين والسياسيّين معاً، ولم يتردّد في استباحة بكركي، مرّاتٍ بالكلام ومرّةً بالفعل؟
الأكيد أنّه يُدرك جيّداً رموزيّة إيليج، وفي ثراها ترقد جثامين الشهداء، وبينهم مِنْ ضحايا أسلحته وحروبه.
لم ينجح، على ساحل منطقة جبيل، في نبش القبور الوهميّة، فانتقل إلى جردها لتحريك العظام في القبور الحقيقيّة. ولو شاء فعلاً معرفة مصائر الشهداء والمخطوفين، لَسَعى إلى نبش سجون مضيفه السوري، ولَمَا اكتفى بمجد الطائرات الخاصّة، والسجّاد المصبوغ بدم الأبرياء، ومواكب السيّارات الفخمة التي قادته إلى براد، وعادت منها بعد حين محشوّة بعبوات الموت لتكرار تدمير لبنان.
وعلى مدى السنوات الأربع، لم يتردّد في تسعير الخطاب الطائفي، والمزايدة في "إرجاع الحقوق المسيحيّة إلى أصحابها" من الدوحة بقانون الـ60، الذي استبدله بقانون أسوأ بدوائره الـ13، ثمَّ سارع إلى تغطيته بقانون المذاهب، متخبّطاً في وحول انكماش شعبيّته، فلا يدري في أيّ اتجاه يسير لإنقاذ مستقبله السياسي.
وصاحب التقوى الصحيحة لا يريد شرّاً للطوائف والمذاهب الأخرى، ولا ينكأ قبور شهدائها، ولا يرميها بالتهم ، ولا يؤبلس رموزها.
السياسي التقي ينفتح على الجميع، ولا ينعزل في مثلّث جغرافي سياسي بين زوايا الضاحية ودمشق وطهران، وينقطع عن كلّ العالم بعَرَبه وغرْبه، بربيعه وديمقراطيّته وحداثته وقيمه.
وكلّ من يستخدم السماء ليربح الأرض، يخسرهما معاً. ولا مكانَ مستقرّاً له، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وكما أنّ براد ردّت له زيارته بخسارة رهانه على بشّار الأسد، هكذا إيليج ستردّ له "الفضل"، زارها أم لا، بخسارة رهانه الجديد على طيبة قلوب المسيحيّين. لقد لَدَغَهم أكثر من مرّة، وهم مؤمنون.
فهل بقي في بطانته مَنْ يُسدي إليه نصيحة بسيطة:
إذا شئت فعلاً أن تكون تقيّاً ورِعاً ، وتكفّر عن خطاياك السياسيّة والوطنيّة الخطيرة، وتتدارك قليلاً هبوطك السريع، فاذهبْ إلى كنيسة لاسا، واستغفر هناك عن كلّ ما سبّبه "تفاهمك" المشين بحقّ المسيحيّين والمسلمين ولبنان.
فإيليج ليست المكان الصالح لمنتحليّ التقوى.