أنظروا إلى نيويورك وتأكّدوا: «حكومة السبع أرواح» ستحافظ على أرواحها إلى ما بعد الانتخابات النيابية.
المصادر الحكومية تنقل تفاؤل الرئيس نجيب ميقاتي، وتقول: عبثاً يحاولون الضغط لإسقاط الحكومة. فهناك تغطية إقليمية – دولية لاستمرارها حتى إشعار آخر. وميقاتي التقى في نيويورك الأميركيين والروس والسعوديين والقطريين كرئيس لحكومة لبنان. ولتطمئنّ المعارضة. الأميركيون مرتاحون إلى مفهوم "النأي بالنفس" الذي تلتزمه الحكومة إزاء الملف السوري. والعرب كذلك.
وهكذا تعيش حكومة ميقاتي مفارقة لا مثيل لها. إنّها عاجزة في كل شيء، وأركانها يخوضون معارك شرسة في ما بينهم. وربّما يرغب العديد منهم في الخروج منها، لكنّهم عاجزون عن القيام بذلك، لأنّ الذي أوجد هذه الحكومة لغايات واضحة، "لن يسامح" أيّاً من أطرافها إذا انسحب منها وأسقطها. وميقاتي، كما النائب وليد جنبلاط، والوزراء المحسوبون على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان هم عمليّاً رهائن في حكومة "السبع أرواح". وليس مؤكّداً أنّ هؤلاء يريدون استمرار الحكومة، على رغم أنّ مصالحهم تقتضي منهم تأكيد ذلك تكراراً.
ميقاتي، يقول فيه شركاؤه من فريق 8 آذار ما لا يقوله فريق 14 آذار. ولذلك، ابتكر السبيل الأفضل ليكون أقوى من الطرفين المتصارعين. وهذا الابتكار يقوم على الإفادة من التناقضات وإرضاء الجميع دائماً. وفي الفترة الأخيرة عمل ميقاتي لإرضاء فريق 14 آذار من خلال تأكيده التمسّك بسلطة الدولة، وأطلق مواقف يلتقي فيها مع رئيس الجمهورية في ملفّ الوزير السابق ميشال سماحة وسواه. لكنّه سارع إلى طمأنة فريق 8 آذار ودمشق إلى أنّه لن يفرِّط بالحكومة التي يحافظ عليها هذا المحور… بما فيها من رهائن. وهناك في طرفي الصراع من يتَّهم ميقاتي بأنّه سيمضي في المناورة بين الفريقين انتظاراً لحسم المعركة الكبرى. وعندئذٍ يوضح خياراته وفقاً لما تقتضيه المصلحة السياسية.
ويمضي ميقاتي، إقليميّاً ودولياً أيضاً، في اتّباع سياسة الخطوط المفتوحة. وهو يحرص على التأكيد للقوى على اختلافها، أنّه يلتزم تعهّداته إزاء كلّ منها. وفي ذلك يضمن التغطية الخارجية لحكومته. وهو ما ظهر في خلال زيارته لنيويورك. لكن ذلك، يقول القريبون من ميقاتي، لا يعني أنّ الرجل "مُستقْتِلٌ" للبقاء في السلطة. فهو مستعدٌّ لذلك في أيّ لحظة، لكنّه يحاذر مغادرة السراي لضرورات الاستقرار. فليس هناك إمكان لقيام حكومة جديدة إذا طارت الحكومة الحاليّة. والفراغ الحكومي يثير المخاوف من توتّر قد يؤدّي إلى انفجار أمني.
"بالروح… والدم"!
وهذا الموقف يعبّر عنه أيضاً النائب وليد جنبلاط. لكنّ الرجلين، وفقاً لمصادر معارضة، يغطّيان الحقيقة. إنّهما يدركان أنّ إسقاط الحكومة ممنوع. ويرغب جنبلاط في التخلّي عن تموضعه داخل الغالبية والحكومة الحاليتين والعودة إلى 14 آذار، لكنّه يخشى المترتّبات والعواقب. ويتعرَّض جنبلاط لحملة سياسية ربّما تتحوَّل لاحقاً إلى استهداف شخصي. ويزيد في الهواجس، على مدى العام المقبل، ما ظهر من تنسيق محتمل بين جنبلاط و14 آذار في الانتخابات النيابية.
أمّا رئيس الحكومة فحساباته تتجاوز الترهيب إلى الترغيب أيضاً. وإذا كان جنبلاط لا يعوِّل كثيراً على الموقع الحكومي لتثبيت زعامته، فإنّ ميقاتي يزداد قوّة خلال وجوده في السراي الحكومي. وهو يكون في موقع أقوى عندما يشرف على التحضير للانتخابات النيابية وقانونها وعمليّاتها الإجرائية. وليس من الحكمة أن يخسر ورقة السلطة قبل الانتخابات. واللافت مثلاً أنّ مشروع الحكومة للانتخابات يضمُّ المنية – الضنّية إلى عكّار، وليس إلى طرابلس. وهذا ما يؤدّي إلى خروج قسم مهمّ من القاعدة الجماهيرية الداعمة لتيّار "المستقبل" من هذه الدائرة، ما يزيد حظوظ القوى السنّية المنافسة، وفي مقدّمها ميقاتي.
من هنا، فإنّ ميقاتي مستمرٌّ في الحكومة بالترغيب، وجنبلاط بالترهيب. ومعهما تعيش الحكومة ذات الأرواح السبع… إلى أن يأتي اليوم الذي يتغيَّر فيه "الستاتيكو" الداخلي والإقليمي، ويتغيَّر الظرف الذي سمح لمحور دمشق وحلفائها أن يمنحوا الروح لهذه الحكومة، وأن يدافعوا عنها "بالروح… والدم"!
