الميليشيا مصطلح سياسي عسكري يوصّف مجموعة محليّة مسلّحة تتمّم أو تحلّ محلّ الجيش النظامي في حالات طارئة واستثنائيّة. وهي لا تخضع، حسب القاموس الدّولي، لفكر أو مبدأ، بقدر ما تكون أهدافها ماديّة. غير أنّ البعض تبنّى رأياً مغايراً مفاده أنّ الميليشيا تتشكّل بفعل إيديولوجيا سياسيّة أو دينيّة أو عرقيّة، وهي ذات أهداف متشعّبة، قد تتغيّر بحسب أهواء القيادات التي تحرّكها وانتماءاتهم، أو بحسب الظّروف المستجدّة.
أمّا في لبنان، فقد تأسّسست الميليشيات الشعبيّة كأذرع عسكريّة للأحزاب، بعدما تفاقمت التجاوزات "الفدائيّة"، وبسطت سلطانها على جزء من مساحة الوطن، وصادرت قرار الدّولة، واستبطنت خطّة استبدال الكيان الفلسطيني بما يهدّد الكيان اللبناني بالزّوال.
لقد عادت بنا الذّاكرة الى ما تقدّم، بعد الإستماع الى تصريح للنائب سيمون أبي رميا ، يصف ردّة فعل عوائل الشّهداء في "إيليج"، بأنّها "ناتجة عن ذهنيّة ميليشيويّة". وهذا توصيف بعيد عن التوازن الذّهني والنّفسي، ويجافي الواقع الذي يعرفه جيّدا النائب المثقّف. فزمن الميليشيات ولّى، إذ تولّى الطّائف تفتيتها وتفكيكها، وحصر المؤسّسات المعسكرة بالدّولة فقط. وهكذا ، سلّمت " القوّات اللبنانيّة " أسلحتها الى أجهزة السّلطة، واستراحت من نضال عسكري مشهود رفعته في مواجهة مؤامرة إلغاء الوطن، ودفعت لأجله آلاف الشّهداء ، بعضهم نام في كنف سيّدة "إيليج" على رجاء قيامة لبنان. واستبدل من تبقّى يافطة "نموت ليحيا لبنان" بشعار "نريد أن نحيا، ليحيا بنا لبنان"، وطويت صفحة الموت لأنّ ثقافة الغد هي ثقافة الحياة، وطلي قبر الحرب بالكلس ليسجن ذكرها الى الأبد.
أمّا الذهنيّة العائدة لمكوّنات الميليشيا، والمتبدّية بالإستقواء بالسّلاح غير الشّرعي، وبنشر
"غيتوات" تنتهك سلطة الدولة، فالنّائب المثقّف يدرك تماما مواقعها وأناسها. ولعلّه تأثّر بالعدوى، لكثرة المخالطة، فتاه عن التمييز بين حراكين لا يمتّ الواحد منهما للآخر بصلة، فانسحبت بالغفلة اتّهاماته على الجهة البريئة منها. حتى ليظنّن المصغي اليه، بأنّه هو بالذات من يدبّج مقدّمات النشرات الإخباريّة في التلفزيون العوني، والتي لا تفهم خلفيّتها إلاّ استنادا الى الذّهنيّة الميليشيويّة، إذ تسخّر جهودها لنبش رفات الماضي، وبشكل إستنسابي مغرض، لا ينزّ منه سوى الحقد الذي يلغي عمل الفكر.
وهذا يعني إفلاس الّلسان العوني في كيل التّهم وإبراز إخطاء "القوّات اللبنانيّة" ورئيسها، منذما بعد الطّائف وحتى السّاعة، على مستويات الأداء السياسي والوطني، فيعمد بالتالي الى إحياء مطويّات الغابر من الأيّام، ويمعن فيها تحويراً واستنطاقاً مزوّراً، تشلّ معهما الحقيقة فتنتقل العيوب ممّن أتاها الى من حصّنته منها قيمه.
فيا نائبنا المثقّف، آن الأوان للخروج من الحفر، والإنزياح عن الأسلوب الممجوج المكرّرفي ادّعاء الطوباويّة، وعن النسق التحريضي في اتّهام الآخرين بالموبقات من دون الإحتكام الى معايير الإقناع، وعن استدعاء مشهد القبور مشهد قبور آخر، وعن رسم معادلة الطبقيّة بين الشّهداء، هؤلاء الذين رفضوا أن تتجوّل أنت وغيرك في كفن ينزف وطناً، وأن تصبحالهويّة معكم مجرّد ذكرى. آن الأوان لتصبح ذهنيّة الميليشيات في أذهانكم مجرّد ذكرى.