الثّلاثاء الثّالث بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منْ كتابِ "اﮕقتداءِ بٱلمسيح".في طريقِ الصَّليبِ المقدَّسِ الملكيَّة
إِنَّهُ لصعبٌ على الكثيرينَ هٰذا الكلام: " أَنكرْ نفسَكَ وٱحملْ صليبَكَ ٱتبَع يسوع".
ولٰكنَّهُ سيكونُ أَصعبَ جدًّا سماعُ هٰذهِ الكلماتِ الأَخيرة: "إِليكم عنَّي يا ملاعينُ إِلى النَّارِ الأَبديَّة". فٱلَّذينَ يرتاحونَ الآنَ إِلى سماعِ وصيَّةِ الصَّليبِ وٱتِّباعها، لن يخافوا حينئذٍ أَن يسمعُوا حكمَ الهلاكِ الأَبديّ. "وإِنَّ علامةَ الصَّليبِ هٰذه، ستكونُ في السَّماءِ حينما يأْتي الرَّبُّ للدَّينونة". حينئذٍ جميعُ عبيدِ الصَّليب، الَّذينَ تشبَّهوا في حياتِهِم بٱلمصلوب، يدنونَ إِلى المسيحِ الدَّيَّان، بثقةٍ عظيمة.
فَلِمَ تخافُ إِذن من حملِ الصَّليب، الَّذي بهِ يُذهبُ إِلى الملكوت؟ في الصَّليبِ الخلاص، في الصِّليبِ الحياة، في الصَّليبِ الحمايةُ منَ الأَعداء، في الصَّليبِ فيضانُ العذوبةِ العلويَّة، في الصَّليبِ قوَّةُ النَّفس، في الصَّليبِ فرحُ الرُّوح، في الصَّليبِ تمامُ الفضيلة، في الصَّليبِ كمالُ القداسة. لا خلاصَ للنَّفس، ولا أَملَ في الحياةِ الأَبديَّةِ إِلَّا في الصَّليب. فٱحمل إذن صليبَكَ وٱتْبَع يسوع، تبلغْ إِلى الحياةِ الأَبديَّة.
لقد سبقَكَ هو "حاملًا صليبَهُ"، وماتَ لأَجلِكَ على الصَّليب، لكي تحملَ أَنتَ أَيضًا صليبَكَ، وتتوقَ إِلى الموتِ على الصَّليب. فإِنَّكَ "إِن متَّ معَهُ، فستحيا أَيضًا معَهُ"، وإِن شاركتَهُ في العذاب، فستشاركُهُ في المجدِ أَيضًا.
الرّسالة رؤ10: 1-11
1 ورأيت ملاكًا آخر قويّا نازلًا من السّماء، موشّحًا بغمامة، وعلى رأسه قوس القزح، ووجهه كالشّمس، ورجلاه كعمودين من نار،
2 وفي يده كتيّب صغير مفتوح. فوضع رجله اليمنى على البحر، واليسرى على البرّ.
3 وهتف بصوت عظيم كأسد يزأر. وعندما هتف، تكلّمت الرّعود السّبعة بأصواتها.
3 ولمّا تكلّمت الرّعود السّبعة، هممت بأن أكتب، فسمعت صوتًا من السّماء يقول: "إختم على ما تكلّمت به الرّعود السّبعة، ولا تكتبه!".
4 والملاك الّذي رأيته واقفًا على البحر وعلى البرّ، ورفع يده اليمنى إلى السّماء،
5 وحلف بالحيّ إلى أبد الآبدين، الّذي خلق السّماء وما فيها، والأرض وما فيها، والبحر وما فيه، أنّه لن يكون زمان بعد.
6 ولٰكن في الأيّام الّتي سيسمع فيها صوت الملاك السّابع، عندما ينفخ في بوقه، يكون قد تمّ سرّ الله، كما بشّر به عبيده الأنبياء.
7 ثمّ إنّ الصّوت الّذي سمعته من السّماء خاطبني ثانية وقال: "إذهب، خذ الكتاب الصّغير المفتوح في يد الملاك الواقف على البحر وعلى البرّ".
9 فذهبت إلى الملاك أقول له أن يعطيني الكتيّب الصّغير، فقال لي: "خذه وٱبتلعه، فهو يملأ جوفك مرارة، أمّا في فمك فيكون حلوا كالعسل".
10 فأخذت الكتيّب الصّغير من يد الملاك وٱبتلعته، فكان في فمي حلوا كالعسل، ولمّا ٱبتلعته ملأ جوفي مرارة.
11 وقيل لي: "يجب تتنبّأ ثانية على شعوب وأمم وألسّنة وملوك كثيرين".
شرح آيات الرّسالة:
10/1-11/14 بين البوق السّادس والسّابع، يفاجئنا هٰذا الفاصل بقطع سياق الرّؤيوات. في غمر ويلات تتوالى وتشتدّ، وقلب الكنيسة يرتعد خوفًا من هول غضب الله الآتي، في ٱنتظار ويلات أخيرة أشدّ وأدهى، يُعلن الكاتب أنّ الزّمان قد ٱنتهى، لينفخ الملاك السّابع في بوقه، فيتمّ سرّ الله (10/6-7). بهٰذا يتّضح أنّ ليس من شأن الويلات المدمّرة أن توصلنا إلى فهم أحكام الله، بل هو من وحي سرّ المسيح والكنيسة، وظفرهما على قوّات الشّرّ كافّة (12/1-15/8). وهٰذه دعوة جديدة للمؤمنين إلى صفاء الإيمان، ومقاومة الشّرّير، والثّقة التّامّة بٱلله.
1 ملاك آخر: غير ملاك البوق السّابع، الّذي سيظهر في 11/15. أوصافه تذكّر بظهورات الله (مز 104/2-4)، وبرؤيا ٱبن الإنسان (رؤ 1/13-16).
2 كتيّب صغير: لفظة واحدة، في الأصل اليونانيّ، تصغير التّصغير من كلمة "كتاب"، لم ترد في العهد الجديد إلَّا هنا، ثلاث مرَّات (10/2، 9، 10). أُعطي ليوحنّا مفتوحًا، وهو غير الكتاب المختوم الّذي أُعطي للحمل (5/1-2، 7-8). ما أكبر الملاك، وما أصغر الكتاب! أُعطي ليوحنّا الكتاب ليبتلعه، كما أُعطي لحزقيّال (2/8-3/3). محتوى الكتاب، على ما يرى شرّاح، هو رؤيا الهيكل والشّاهدَين (11/1-13)، حيث تظهر أورشليم مسرح الأحداث النُّهيويّة الأخيرة، في التّقليدين اليهوديّ والمسيحيّ. ويرى آخَرون أنّه مصير الإمبراطوريّة الرّومانيّة في علاقتها بالكنيسة، كما في الفصول 11-18. ويرى آخَرون أنّه مصير التّاريخ البشريّ الشّامل، كما في الفصول الباقية من سفر الرّؤيا، استنادًا إلى 10/11.
على البحر، على البرّ: يمثّل هٰذا الملاك سلطان الله المطلق على الكون أجمع، سلطانًا أبديًّا لا يزول، يغلب الوحش الطّالع من البحر (13/1)، والوحش الآخر الطّالع من الأرض (13/11)، ويزيل سلطانهما (13/2، 4، 5، 7، 12).
3 هو 11/10؛ عا 1/2؛ 3/8؛ مز 29/3-9.
كأسد يزأر: صورة مألوفة لصوت الله في الأنبياء(هو 11/10؛ آش 31/4؛ عا 1/2؛ 3/8؛ يو 3/16)؛ ومرّة واحدة لإبليس (1 بط 5/8)!
الرّعود السّبعة: لغويًّا، مُعَرَّفة. يربطها معظم الشّرّاح بـ "صوت الله" المُرعِد، سبع مرّات، في المزمور 29؛ راجع 12/28-29.
4 دا 8/26؛ 12/4، 9؛ رؤ 22/10.
إختم … لا تكتبه: لا يُسمح للكاتب أن ينقل كلّ ما يرى أو يسمع، كما حصل لبولس (2 قور 12/4)، وتبقى رسالة الرّعود السّبعة مغلقة، لا تُعطى للبشر، إلى زمان يتمّ فيه سرّ الله (10/7).
5 تث 32/40؛ دا 12/7.
وحلف… رفع يده…: صورة مألوفة، في العهد القديم (دا 12/7؛ تك 14/22؛ تث 32/40).
6 تك 14/9، 22؛ خر 20/11؛ نح 9/6؛ مز 146/6؛ رسل 4/24؛ رؤ 14/7.
زمان: كلمة ترد في الرّؤيا أربع مرّات، في ثلاث تعني "مدّة من الزّمن، مُهلة" (2/21؛ 6/11؛ 20/3)، وفي الرّابعة (10/6) يمكن النَّقْلان: "مُهلة" أو "الزّمان" عمومًا؛ وقد آثرنا النّقل الثّاني: يُلغى الزّمان، ويحلّ محلّه دهر جديد، لا ماضٍ ولا مستقبل، بل حاضر إلٰهيّ أبديّ.
8 روم 16/25؛ 1 قور 2/7؛ أف 1/9؛ 3/3، 9؛ 6/19؛ قول 1/26-27؛ 2/2؛ 4/3؛ دا9/6، 10؛ عا 3/7؛ زك 1/6؛ رؤ 11/18.
آية تنذر أنّ النّفخ في البوق السّابع سيكون سرًّا تامًّا؛ وتنذر الآيتان (9/12؛ 11/14) أنّه سيكون ويلًا كبيرًا!
سرّ الله هو عمله الخلاصيّ في تاريخ البشر، حقّقه الله، وأوحى به إلى أنبيائه ورسله القدّيسين. الفعل "بشّر" لم يرد في الرّؤيا إلّا هنا وفي 14/6، حيث يبشّر ملاك بإنجيل أبديّ كلّ أمّة وقبيلة ولسان وشعب، كما يطلب الملاك هنا من يوحنّا أن يتنبّأ (10/11).
9-10 حز 2/8؛ 3/1-3.
9 خذه وٱبتلعه: دعوة يوحنّا هنا أشبه بدعوة النّبيّ حزقيّال (2/8-3/3). إنّها دعوة ثانية إلى رُؤًى وإيحاءات جديدة (الفصول التّالية)، يتنبّأ بها على شعوب وأمم وألسّنة وممالك جديدة (10/11).
مرّ، حلو: كلمة الله حلوة ومُرّة، في آن معًا؛ حلوة لمن يغتذى منها، ومُرّة لمن يلتزم بإعلانها، محتملًا في سبيلها ضيقًا وٱضطهادًا!
11 إر 1/10؛ 25/30؛ دا 3/4؛ 7/14.
الإنجيل
لو6: 20-26
التّطويبات
20 ورَفَعَ يسوعُ عيْنيهِ نَحْوَ تلاميذِهِ وقال: "طوبى لَكُمْ، أيُّها المساكين، لأنَّ لكُمْ مَلَكوتَ الله.
21 طوبى لَكُمْ أيُّها الجِياعُ الآن، لأنّكُمْ سَتَشْبَعون. طوبى لَكُمْ، أيُّها الباكونَ الآن، لأنَّكُم سَتَضْحَكون.
22 طوبى لَكُمْ حين يُبْغِضُكُمْ النّاس، وحينَ يَرْذُلونَكُمْ، وَيُعيِّرونَكُمْ، ويَنْبِذونَ ٱسْمَكُمْ كأنًّهُ شرّيرٌ مِنْ أجْلِ ٱبنِ الإنسان.
23 إفْرَحوا في ذٰلِكَ اليومِ وتَهَلّلوا، فها إنَّ أجْرُكُمْ عظيمٌ في السّماء، فهٰكذا كانَ آباؤُهُمْ يَفْعَلونَ بالأنبياء.
الويلات
24 ولٰكِنِ الوَيْلُ لَكُم أيُّها الأغنياء، لأنَّكُمْ نِلْتُمْ عَزاءَكُمْ.
25 الوَيْلُ لَكُمْ، أيُّها المُتْخَمونَ الآن، لأنَّكمْ ستجوعون. الوَيلُ لَكُمْ، أيُّها الضّاحِكونَ الآن، لأنَّكُمْ سَتَحْزَنونَ وتَبْكون.
26 الوَيْلُ لَكُمْ حينَ يَمْدَحُكُم جميعُ النّاس، فهٰكذا كانَ آباؤهُمْ يَفْعَلونَ بالأنبياءِ الكذّابين.
شرح آيات الإنجيل:
20-49 تعاليم: تجد هٰذه التّعاليم في خطبة الجبل (متّى 5/7)، ويخالف لوقا متّى في أمور: ٱختصر منها، أو حذف، ما هو يهوديّ بحت (متّى 17-38)، وذكرها في إطار زمنيّ متأخّر عن إطار متّى، وألقاها يسوع في سهل، لا على جبل.
20-26 المساكين والأغنياء: المساكين هم، لدى متّى، "مساكين الرّوح"، والجياع والعطاش هم "الجياع والعطاش الى البرّ". كان ثّمّ تيّار يهوديّ يرى السّعادة الكاملة في نظام سياسيّ إسرائيليّ دنيويّ، مقرون بعيش رغيد، وٱزدهار عجيب دائم، وممتدّ إلى كلّ أهل الأرض (آش 29/18-19؛ 49/6-13؛ 60/62؛ رسل 1/6). فيسوع يعارض هٰذا التّيّار الدّنيويّ، ويعلّم أنّ السّعادة الحقيقية مع الله، وفي الله، وبعد هٰذه الحياة. لا يعد يسوع الفقراء بالغنى، ولا يهدّد الأغنياء بالفقر: الغنى والشّبع والضّحك والصّيت الحسن خير من الفقر والجوع والبكاء والضّعة، ولٰكن كلّ ذٰلك خطر، وشرّ لمن يكتفي به، ويهمل حاجات الرّوح والملكوت.
20-22 طوبى: الطّوبيات تسع لدى متّى، وبصورة الغائب، – ما عدا التّاسعة – وأربع لدى لوقا، وبصورة المخاطب. وفي الأناجيل طوبيات كثيرة (متّى 11/6؛ 13/16؛ 16/17؛ لو 11/28؛ 12/37، 38، 43؛ 14/14؛ يو 13/17، 20/29).
20 متّى 5/1، 3.
المساكين: من لا يملكون شيئًا، ويعيشون من صدقات النّاس. وهم هنا تلاميذ يسوع، من تركوا كلّ شيء وتبعوه. لا يكفي الفقر لدخول ملكوت الله، ففي الفقراء لصوص ومجرمون. وكذٰلك لا يكفي الجوع والبكاء وبغض النّاس لنا …، بل علينا إلى ذٰلك القيامُ بما يقابل من فضائل التّجرّد، والصّبر، والإيمان.
21 متّى 5/6، 5؛ إر 31/25؛ مز 126/5-6؛ آش 61/3؛ رؤ 7/16-17.
22 متّى 5/11-12؛ يو 15/19؛ 16/2؛ 1 بط 4/14.
23 2 أخ 36/16؛ متّى 23/30-31؛ لو 11/47.
ٱبتهجوا: يستعمل لوقا هنا فعلًا لم يرد، في العهد الجديد، الّا هنا وفي (لو 1/14، 44).
24-26 الويل: يهمل متّى ويلات أربعة واردة لدى لوقا، وفيها ينذر لوقا الإنسان المتنعّم بهٰذه الدّنيا، والمكتفي بها. الجمع بين الطّوبى والويل أسلوب كتابي قديم (مثل 28/14؛ جا 10/16-17؛ آش 3/10-11؛ إر 17/5-8.
24 يع 5/1؛ آش 5/8-25؛ حب 2/6.
25 آش 65/13-14.
27 لو 6/23؛ يع 4/4.
جميع النّاس: تهمله مخطوطات.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.
