اهالي شهداء سيدة ايليج الذين اعتصموا وتجمهروا لمنع قاتل الشهداء من انتهاك حرمة المكان، وخدش السكون المقدّس الذي يلّف سماء اضرحة الأبطال، لا يمكن ان يكونوا متسامحين اكثر من معلّمهم يسوع المسيح نفسه.
المسيح لم يستطع تحمّل فسق وفجور تجّار الهيكل، فتناول السوط واعمل فيهم ضرباً وطرداً.
اهالي الشهداء لم يطردوه، وإنما جلّ ما ارادوه هو إعتذارٌ، ولو حتى ضمني، عمّا اقترفته ايديه بحقّ شبّانٍ مسيحيين، ذنبهم الوحيد انهم لم يتهربّوا من تحمّل واجباتهم الأخلاقية والوطنية، فسقطوا على دروب الوطن والقضية، فيما المولجون رسمياً بالدفاع عن كرامة الإنسان ولبنان، كانوا إمّا مترددين، او متلكئين، او متآمرين.
حليف نظام السجون والقبور، لم يخجل من إلغاء زيارته الى ارض البطولة والقداسة ايليج، مفضّلاً المغادرة على الإعتذار بشهامةٍ من شهداء المقاومة اللبنانية.
حليف نظام الموت، لم يجد بالمقابل، اي حرجٍ في "دعوة اللبنانيين للإعتذار من النظام السوري"، وذلك في أثناء زيارته لرئيس نظام السجون والقبور بتاريخ 3 كانون الأول 2008، و8 ايلول 2010.
في أدبيات حليف نظام السجون والقبور، ليس شهداء المقاومة اللبنانية سوى مجرّد "قتلى بارات"، امّا اركان نظام السجون والقبور، فهم "شهداء صمودٍ وتصدٍّ وممانعة".
حليف نظام الموت دنّس صليب المقاومة اللبنانية الذي تُزنّره عبارة "بك ننتصر"، المُستوحاة من صليب كنيسة سيدة ايليج بالذات، واليوم يقف امام بوابّة ايليج في ثوب الحملان الوديعة، فيما خنجره واسياده "المشطوب" يُقطّر خبثاً وسمّاً واستفزازاً!
حليف نظام الموت يتباكى اليوم على منعه من دخول كنيسة ويتشدّق بالقيم المسيحية، فأين كانت هذه القيم المسيحية عندما اقتحم رعاعه مقّر بطريركية إنطاكيا وسائر المشرق على طريق التتار والمغول وسائر البرابرة؟!
حليف نظام السجون والقبور، قتل الشهداء في ما مضى، تحقيقاً لمآربه الشخصية و"الرئاسية" الضيقّة، واليوم يريد قتلهم من جديد تحقيقاً لمآربه الشخصية والإنتخابية الأضيق.
لو كان حليف نظام الموت يُقيم اي اعتبارٍ فعلي لقدسية الشهادة وذكرى الشهداء، لكان الأولى به إفتتاح زياراته، ليس انطلاقاً من اضرحة شهداء الغير، وإنما من اضرحة ضباط وعسكريي ضهر الوحش تحديداً، ولكان طالب بالإفراج عن رفات جنود معاركه الفاشلة، المخفيين قسراً في سجون حلفائه حتى اليوم.
حليف نظام السجون والقبور "مزنوق" شعبياً وإنتخابياً. لا شك ان زيارة اضرحة الشهداء تجارةٌ مُربحة على الصعيدين.
زيارة اضرحة شهداء ضهر الوحش فيها استفزازٌ لنظام السجون والقبور، امّا زيارة اضرحة شهداء المقاومة اللبنانية بغية الإستغلال الرخيص، ففيها تدنيس لحرمة المكان واستفزازٌ لمشاعر الأهالي والسكّان.
حليف نظام الموت، يحرص على مداراة مشاعر حليفه اشدّ الحرص، لذلك اعتمد الخيار الثاني، مثابراً على نكء الجراح وقتل الشهداء مرتّين.
حتى اواخر العام 2005، لم يكن التيار العوني قد انقلب على تاريخه كلياً بعد، حينها كان لا يزال "التيار" يفتخر بشهداء ضهر الوحش و13 تشرين، ويُقيم القداديس لراحة أنفس اولئك الذين سقطوا بمواجهة قوات الإحتلال الأسدي.
قبل توقيع وثيقة التفاهم، كان تكريم شهداء ضهر الوحش حِكراً على التيار العوني، بعد توقيع "الوثيقة"، تنكّر التيار العوني للشهداء، والغُيت القداديس، ومُزّق البرنامج البرتقالي إرباً… وصار تكريم شهداء ضهر الوحش يتّم في حريصا، او جونيه، او معراب، او ايليج…
الدكتور سمير جعجع الذي اراد مشاركة التيار العوني في تكريم شهداء ضهر الوحش، قبل ان يتنكّر لهم التيار العوني نفسه، تناول سمّاعة الهاتف واستأذن العماد عون حضور قداسٍ اقامه التيار العوني في باريس بتاريخ 15 تشرين الأول 2005 لراحة أنفس هؤلاء الشهداء…
زيارة الدكتور جعجع كانت موضع ترحيبٍ وتقدير، ليس لأن العماد عون وافق عليها، وإنما لأن المكان بحدّ ذاته، هو من هضمها اولاً وأخيراً. لو اراد عون تكريم شهداء المقاومة اللبنانية حقيقةً، لكان تشبّه بالدكتور جعجع في طريقته النبيلة، ولكانت مشاركته في حضور القداس السنوي لشهداء المقاومة اللبنانية، موضع ترحيب من جميع القواتيين. لكن حليف نظام الموت يريد ان يفرض على الشهداء، والإنسان، والمكان، زيارته بالإكراه، والإستفزاز، والتحدّي، والقوّة! وهذا هو الفارق بين الزيارتين…
ليست القوات اللبنانية هي من أعاقت زيارة قتلة الشهداء الى سيدة ايليج، وإنما المكان.. ودون مِنّةٍ من احد.
اهالي شهداء سيدة ايليج ليسوا اكثر تسامحاً من يسوع بالطبع، لكن قتلة الشهداء، هم اكثر سوءاً من "تجّار الهيكل" بالتأكيد.