جُن اعلام التيار. دخلت أقلامه في حمّى التاريخ بحسب توثيقهم طبعا، وفي الرغبة المجنونة الجامحة المستعادة لنبش القبور. الشخصية "العملاقة" التي زارت بالامس جبيل، مُنيت بفاجعة من العيار الثقيل، هذا على الاقل ما أوحت به أقلام التيار اليوم، اولا الاستقبال الشعبي الذي لم يكن على قدر الطموح والامنيات، اذ لم تزحف بلاد جبيل من أجنّتها وصولا الى مشايخها، وربما أمواتها، ليهبّوا لاستقبال "زعيم" زعماء المسيحيين في لبنان وسائر المشرق، واستعيض عن الفراغات البشرية الفادحة بعناصر من المنقذ دائما وابدا، حزب الله، لملىء الفراغ المناسب بالعناصر ولو كان غير أصيلين وبعونيين من مناطق أخرى!!
ثانياً والاهم، وقف "العملاق" عاجزاً مكبّلاً أخرساً أمام حرقة من نوع آخر، حرقة لم يذقها في حياته، ولا نتمنى له ذلك على الاطلاق، وقف عاجزا أمام القبور. حفار القبور عجز عن الدخول الى مملكة ظن انه يملكها، فاذ بالاموات الاحياء ينفّذون به حكم الاعدام عند الاعتاب. وقف شهداء سيدة ايليج سدا منيعا أمام المتعنّت المتجبّر الذي أدخلهم ذات عمر بيديه تحت سابع تراب، من دون أن يتقدّم حتى الان ولو باعتذار، ولو بصلاة، ولو بنية التوبة لما حصل، جاء ليدخل منتصراً معلناً موت الشهداء على مسامع ومرأى الاحياء الموجوعين، فوقف "شهداء البارات" بوجهه، انتصبوا من دون أن يخدشوا زهرة دامعة وضعتها ام شهيد على باب القبر، وهي ترقب الطريق يحمل اليها خبر قدوم حفار القبور.
جن اعلام عون، ودخلت أقلامه في حمى الشتائم من كل الانواع والاشكال واستحضار محطات من التاريخ القريب والبعيد، لاثبات ان القوات "زعران"، وان تاريخهم دموي، وان الجنرال فوق كل الشبهات "وقداسته" ثابتة في التاريخ، هو المتسامح الكبير العملاق الحضور والبطولة! وفي حمى الاقلام كتب الشباب فيما كتبوا عن حضور الدكتور سمير جعجع لقداس شهداء 13 تشرين في باريس العام 2005 بعد خروجه من الاعتقال، متسائلين لماذا يسمح عون لجعجع بحضور ذاك القداس ولا تسمح "القوات" لعون بدخوله مدافن سيدة ايليج؟؟؟
غريب! هل سمير جعجع و"القوات اللبنانية" هي من قتلت شهداء 13 تشرين، ام الجيش السوري الذي دخل عنوة كل المناطق يومذاك، على اثر فرار عون الى السفارة الفرنسية، وتركه الجيش في مهب الاحتلال والانتقام بعد تسليمه القيادة لذاك الاميل لحود؟ اضافة الى ذلك، ورغم ذلك، جعجع وقبل حضوره القداس على نية شهداء 13 تشرين، التزم بالاصول وطلب حضور القداس كي لا يتسبب باحراج او جرح أحد من اهالي الشهداء او رفاقهم، علما ان التيار انذاك كان لا يزال في الخط اللبناني السيادي، وليس كما هو الان في خط ايران والنظام السوري. ذهب جعجع الى ذاك القداس بنية مسيحية صافية علّه يفتح صفحة مسامحة حقيقية، ورحب يومذاك التيار الوطني الحر بحضوره، لان النوايا كانت واضحة، واللياقة الانسانية تجلّت بطلب الموافقة، اما عون وقبل زيارته التي كانت مقررة الى شهداء ايليج، هل اعتذر من ام شهيد، هل نسّق مع رابطة سيدة ايليج؟ هل تكلم على الاقل مع الدكتور جعجع لتسهيل حضوره؟ ام لعل "الالهة" لا تنزل الى مصاف البشر لتنحني كي لا يقع عن رأسها التاج؟ والابشع من كل ذلك، هل أصبحت المدافن والشهداء جسر عبور للانتخابات، وهل وصل الاستغلال السياسي في لبنان الى حفافي القبور؟؟!
جُن اعلام عون ولم يميّز بين عون وشباب التيار الوطني الحر، بحيث اوحت الاقلام السوداء بأن "حقد" القوات يمنع ايا من عناصر التيار من زيارة مدافن الشهداء!!! ليست هنا الفكرة ولا هو الموضوع، هي مدافن وفيها شهداء المسيحيين المقاومين، والصلاة مفتوحة لكل قلب مفتوح على الايمان، لكن أقفلت المدافن ليس بوجههم ولن يحصل، انما اقفلت بوجه العنجهية والقلب المقفل على التسامح، وعلى من وضع الشهداء في القبور ثم تصافح مع شريكه في الجريمة العابر للحدود، أقفلت المدافن في وجه من حاول أن يعبر من قبر مفتوح على وجه القيامة بالمسيح، الى كرسي مغلق على السلطة الانانية المتسلطة، على حب الانا الجامح لدرجة استغياب كل قلب مجروح، وحضور كل شهيد لا يريد ان يستشهد مرتين…
غريبة الحياة. في عزّ حضور الموت، غيّب الشهداء من يظن ان حضوره هو الحياة. غريبة الحياة. عند عتبة القبور تجمّدت قدم داست ذات مرة عمر الصبا، فداست الشهادة على ضجيج الفراغ في من يظن ان العمر سيدوم له كل العمر، من دون محطات محاسبة او سؤال حتى من شهيد على قبر…
